الشيخ المحمودي

189

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ « 1 » . فلو كان الغاصب والسارق قد أخذا ما رزقهما اللّه تعالى وساقه إليهما لكان المطالب له بردّ ما أخذا ظالما لهما ، ولم يجز في شريعة العدل أن يعاقبا عليه ، لا في الدّنيا ولا في الآخرة ، بل كانا ممدوحين على انفاقهما منه ، كما مدح اللّه تعالى من أنفقه من حلّ ، قال : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ، أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ « 2 » فجعل إنفاق الرزق من صفات المؤمنين ، فلما لم يكن للغاصبين إنفاق ما اغتصبوه وكانوا مذمومين عليه معاقبين على تصرفهم فيه ، دلّ ذلك على أنّ اللّه تعالى لم يرزقهم إيّاه في الحقيقة ، وإذا لم يكن رزقا للغاصب فهو رزق للمغصوب منه ، وإنّ حال الغاصب بينه وبينه . ونقول أيضا : الشيء الّذي يصح الانتفاع به إذا استولى عليه غير صاحبه هل يجوز له أن يصلي فيه لو كان ملبوسا أو مسكونا ، وهل يجب الحج على المسيطر عليه ، لأجل أنّه انتفع به وصار ذا مكنة ، وهل يجب الزكاة عليه إذا قلبه فنما وربح حتّى بلغ حد النصاب ، إلى غير ذلك من الفروع ؟ ! وليعلم أنّ النزاع مع الأشاعرة في أمثال المقام لا طائل تحته ، بعد اعتقادهم بالجبر ، وأنّ جميع ما يصدر من المكلفين فهو على سبيل الاضطرار كإشراق الشمس وحرارة النار ، ورطوبة الماء ، وأنّ لا صنع ولا أثر إلّا للّه تعالى ، وأنّ الظالم مقهور على الظلم ولا يمكنه الكف ، فقابيل لم يكن قادرا على ترك قتل هابيل ، بل القتل ما صدر من قابيل بل اللّه هو القاتل ، إذ لو كان القتل من قابيل لزم أن يكون في دار الوجود مؤثر غير اللّه ! ! وكذا الّذي قطع رأس يحيى ووضع المنشار على رأس زكريا هو اللّه المتفرد بالمؤثرية ، وإلّا لزم وجود مؤثر غير اللّه ! !

--> ( 1 ) الآية 38 ، من سورة المائدة : 5 . ( 2 ) الآيات 2 - 4 ، من سورة الأنفال : 8 .