الشيخ المحمودي
188
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
قعر البحار وشواهق الجبال فإنها كما يصح إطلاق المال أو الغذاء أو الحلي أو الطعام عليها ، كذلك يصح إطلاق الرزق عليها بمعنى إنها مما يصح أن تجعل غذاء ، وإنها مما أوجدها اللّه تعالى لتقوت الحيوان وتغذيه منها ، وكما لا يصح أن ينسب إلى شخص معين بإنّها ماله أو غذاؤه أو حليّه أو طعامه ، لا يصح أيضا أن يقال إنّها رزقه ، فترى ما هذا سبيله في حين إنها رزق على الحقيقة ، ليس برزق لمعين أيضا على الحقيقة ، وقد يطلق الرزق ويراد منه ما له إلى شخص معين علاقة وإضافة خاصة سواء كان حدوث هذه العلاقة ناشئا من عمل الحيوان واختياره كما إذا حاز الأغذية المباحة أو تملكها ببيع أو موهبة أو صلح أو غيرها ، أو كانت العلاقة الحادثة غير اختيارية له ، كما إذا مات مورثه ، أو حملت الريح الفلك المملوء من الجواهر الّتي أبيد أهلها إليه ، أو انشقت الأرض أو الجبال بالزلزال فألقيت الكنوز في حجره ، أو غيرها من أنحاء الاستيلاء المبيح للانتفاع شرعا وعقلا ، فإذا حدثت هذه العلاقة بين شخص وما أعدّه اللّه للانتفاع به ، فلا يكون رزقا لغير صاحب العلاقة ، ولا يجوز في حال الاختيار الانتفاع به من دون رضا صاحبه ، فمن حال بينه وبين ذي العلاقة فهو ظالم ، وجميع انتفاعاته حرام ، وفاعله مستحق للعقوبة ، وحينئذ نسأل الأشاعرة القائلين : بأنّ الرزق ما أكل ولو كان حراما . أو ما ساقه اللّه إلى الحيوان فانتفع به « 1 » ، ونقول لهم : هل مجرد الأكل والانتفاع من طعام أحد أو ماله يوجب سلب علاقته منه ، وإيجاد علاقة مماثلة لتلك العلاقة للآكل والمنتفع ؟ ! فحينئذ جميع الغاصبين والظالمين يأكلون أرزاقهم ، فما معنى قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً « 2 » ؟ ! وما معنى قوله تعالى : وَالسَّارِقُ
--> ( 1 ) وهذا أيضا يشمل الأوّل ، إلّا أنّه أعم منه ، فيشمل الملبوس والمنكوح ، فمن اشتبه الأمر عليه فعقد على أمه أو أخته أو بنته وعمل ما يعمله الرجال مع النساء فهذا رزقه ، وكذا لو تخيل أنها زوجته فبان الخلاف . ( 2 ) الآية 10 ، من سورة النساء : 4 .