الشيخ المحمودي
177
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
وقالوا : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، ولا تكن من الّذين يقال عند موته الحمد للّه ربّ العالمين . واعلم أنّ رأس العقل بعد الإيمان باللّه عزّ وجلّ مداراة النّاس « 1 » ولا خير فيمن لا يعاشر بالمعروف من لابدّ من معاشرته حتّى يجعل اللّه إلى الخلاص منه سبيلا ، فإنّي وجدت جميع ما يتعايش به النّاس
--> ( 1 ) قال المحقق الكاشاني رحمه اللّه : « مراده عليه السّلام من المداراة التقيّة ومن المعاشرة بالمعروف : المعاملة بما يعد في العرف حسنا ، يعني كل ما يمكن من أفعال النّاس أن يحمل على الوجه الحسن فليحمل عليه ، وما لم يمكن فيه ذلك يتغافل عنه ولا يلتفت إليه ، وذلك إذا خاف منهم على نفسه ، وإلّا فهو مداهنة محرمة إلّا ما لا يتعلق بالدّين » . أقول : بيانه عليه السّلام ، وإن كان مطلقا إلّا ان المنساق منه إلى الذهن هو المداراة والمسامحة في أمورهم الدّنيوية ، وعدّ أعمالهم حسنة مع كونها قبيحة ، وأشخاصهم شرفاء مع كونهم وضيعين ، وعن المعنويات عريا ، وملخص مرامه عليه السّلام من هذا الكلام عدم المداقة مع النّاس ، وقطع الطمع عن طلب المعالي منهم ، والإغماض والتجاهل عن فلتاتهم ، والتجاوز عن قبيح أفعالهم ، ونحن اختبرنا النّاس ثلاثين سنة فمن لم يفعل معهم ما ذكره عليه السّلام ، كان غير معدود عند النّاس من المجتمع البشري ، ويؤيد ما ذكرناه من أنّ مراده عليه السّلام هو المداراة في الأمور الدّنيويّة ما رواه في الحديث 6 ، من الباب 6 ، من أبواب جهاد النّفس ، من المستدرك : ط 2 ، ج 2 ، ص 282 ، عن مشكاة الأنوار عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال : ذللوا أخلاقكم بالمحاسن ، وقودوها إلى المكارم ، وعوّدوها الحلم ، واصبروا على الإيثار على أنفسكم فيما تحمدون عنه قليلا من كثير ، ولا تداقّوا النّاس وزنا بوزن ، وعظموا أقداركم بالتغافل من الدّني من الأمور ، وأمسكوا رمق الضعيف بالمعونة له بجاهكم ، وإن عجزتم عمّا رجا عندكم فلا تكونوا بخاشن عما غاب عنكم فيكثر عائبكم وتحفظوا من الكذب فإنه من ارقّ الأخلاق قدرا ، وهو نوع من الفحش ، وضرب من الدّناءة ، وتكرّموا بالغنى عن الاستقصاء ، وروى بعضهم : بالتغامس عن الاستقصاء . ورواه ابن شعبة رحمه اللّه في تحف العقول ضمن قصار كلمه عليه السّلام قبل المختار الأخير بواحد .