الشيخ المحمودي

175

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

يورّثوا دينارا ولا درهما « 1 » ولكنّهم ورّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ

--> ( 1 ) إذ شان كل شخص أن يذر ويخلف بعد حياته ما كان جمعه في حال الحياة ممّا كان يروقه ويعظم في نظره ويحنّ قلبه إليه ، ويهوى فؤاده إليه ، والأنبياء عليهم السّلام لم يجمعوا زخارف الدّنيا من الدّراهم والدّنانير وغيرهما ولم يهتموا بادخارهما ، وما كانوا معجبين بهما ، حتّى يصرفوا عزائمهم ورغائبهم في تحصيلهما وجمعهما واستنمائهما ، بل كانوا فيهما من الزاهدين ، وعن اقتنائهما من الراغبين ، وعن ذويهما من المعرضين ، إلّا بقدر البلغة وما تدفع به الضرورة الوقتية ، فطبيعة حالهم اقتضت أن لا يكون لهم درهم ولا دينار ، ولا ساكن ولا متحرك ، ولا نضار ولا عقار ، ولم يرد عليه السّلام نفي الإرث بين الأنبياء ومخلفيهم من الآباء والأبناء وبقية طبقات الورثة ، فإنّ هذا مما أجمع على بطلانه أعدال الكتاب ، وفي طليعتهم سيد العترة وخليفة رسول اللّه ووصيّه بلا فصل أمير المؤمنين عليه السّلام ، وقد ملئت الطوامير ، وطرش الجهال والسماسير من تكذيبه عليه السّلام من ادعى أنّ الأنبياء لا إرث لهم ، وقد تواتر عنه عليه السّلام وأجمع أولاده المعصومون على أنّه عليه السّلام ادعى ميراث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لزوجته وحبيبة رسول اللّه فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها ، وقد دوخ اذن الدّهر حجاج الزهراء المرضية على أبي بكر لما طلبت إرثها من تركة رسول اللّه فصدقها عليّ والحسنان عليهم السّلام ، وشهدوا لها بالميراث وصحة الدّعوى ، وهم حكام عدل ، وقولهم هو الفصل ، ويستحيل أن يحمل على الهزل ، بشهادة آية التطهير ، وحديث الثقلين ، وحديث السفينة ، وحديث النّجوم ، وحديث الطائر ، وحديث عليّ مع الحق ، والحق معه ، يدور معه حيثما دار ، وحديث عليّ مع القرآن ، والقرآن معه ، وحديث : ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا ، وحديث : إنّ اللّه يرضى لرضا فاطمة ، ويغضب لغضبها ، إلى غير ذلك ممّا تواتر عن النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، من طرق الفريقين ، وقد تكفل لإثبات تواترها كتاب العبقات ، وغاية المرام ، والغدير ، وغيرها . وبالجملة فمن ضروريات فقه أهل بيت العصمة عليهم السّلام ، أنّ الأنبياء عليهم السّلام كسائر النّاس يرثون ويورثون ، فلو بقي منهم مال بعد وفاتهم فهو لورثتهم ، ويمكن أيضا حمل هذا الكلام وأشباهه على المعتاد المتعارف ، حيث إنّ أهل الدّنيا لا يعدون المال القليل ، وما كان بقدر البلغة مالا ، ولا يطلقون اسم التركة والميراث عليه ، لتنزيله عندهم منزلة العدم ، فيقولون فلان معدم لا مال له ، وفلان مات فقيرا ولم يخلف شيئا ، فمن لم يكن عنده وفر ، ولم يدخر ثروة جمة يقولون فيه : ذهب ولم يترك لورثته ميراثا ، والأنبياء عليهم السّلام كانوا على هذه الحالة ، إذ لم يدخروا مالا للربح والازدياد ، ولم يعمروا عقارا للاستنماء ، ولم يتخذوا الكنوز ، ولم يقنطروا القناطير ، ففي نظر أهل الدّنيا لا مال لهم حتّى يورثوا ويحظوا الورثة .