الشيخ المحمودي

235

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

ولم ؟ بل عظّم اللّه أجركم في مسيركم وأنتم مصعدون ، وفي منحدركم وأنتم منحدرون ، وما كنتم في شيء من أموركم مكرهين ، ولا إليها مضطرّين . فقال الشيخ : كيف يا أمير المؤمنين ، والقضاء والقدر ساقانا [ ساقنا « خ » ] إليها ؟ قال [ أمير المؤمنين عليه السّلام ] : ويحك لعلّك ظننت قضاء لازما وقدروا حاتما ؟ لو كان ذلك « 2 » لسقط الوعد والوعيد ، ولبطل الثّواب والعقاب ، ولا أتت لائمة من اللّه لمذنب ، ولا محمدة من اللّه لمحسن ، ولا كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المذنب « 3 » ، ذلك مقال إخوان عبدة الأوثان ، وجنود الشّيطان ، وخصماء

--> ( 2 ) أي لو كان سائق الخلق وحاملهم على أعمالهم هو القضاء اللّازم والقدر الحاتم لسقط الوعد والوعيد من اللّه ، إذ لا معنى للوعيد أو الوعد على عمل لا يكون اختياريا للشخص ، بل القضاء والقدر هما العلّة لتحققه ووجوده ، والشخص يكون محلّا صرفا غير دخيل في تكوّنه وتحقّقه . ( 3 ) إذ المحسن والمذنب على هذا التقدير غير مؤثّرين في شيء من العمل ، والمؤثّر التام هو القضاء والقدر ، والشخص لا حظّ له من الفعل إلّا كونه محلّا له ، ككون الجوهر محلّا للعرض ، وكون الجسم محلّا للأبعاد الثلاثة ، وكون الماء باردا مرطوبا ، وكون النار مضيئة محرقة ، وعليه فلا يصح إطلاق المحسن والمسئ أيضا على المحلّ إذ المحسن هو فاعل الإحسان ، والمذنب هو الآتي بالذنب ، والفرض أنّهما غير فاعلان ، والفاعل ، هو القضاء والقدر ، فإذا القدر هو المحسن والمسئ لا غير . وهذا عين بطلان الثواب والعقاب ، واجتثاث الشرائع من أسّها ! وهو مقال إخوان عبدة الأوثان والدهريين المنكرين للشرائع . ولكن عمل العقلاء قاطبة وفطرتهم - حتّى الدهريين - على خلاف هذا المقال والعقيدة ، فاتّصل في عصرنا هذا بأي جيل تشاء فإنّك تراهم يجرون أحكام الإجرام على المفسد ، وأحكام الإنعام والإفضال على المصلح بلا تريّث منهم ، وإن نطق أحد الفريقين بأنّ الفعل من القضاء والقدر يضحكون منه بل يغضبون عليه أشدّ غضب !