الشيخ المحمودي

236

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

الرّحمان ، وهم قدريّة هذه الأمّة ومجوسها ، ولكنّ اللّه تعالى أمر بالخير تخييرا ، ونهى عن الشّرّ تحذيرا « 4 » ولم يعص مغلوبا ، ولم يطع مكرها « 5 » ولم يملّك تفويضا « 6 » ولا خلق السّماوات والأرض وما نرى فيهما من

--> ( 4 ) أي إنّما أمر اللّه تعالى بالخير ونهى عن الشرّ ، لأجل تفضيل المأمورين على غيرهم ، وإخراجهم عن مرتبة البهيميّة المهملة إلى مرتبة التقيّد بالمصالح والتخلّق بالفضائل ، ولأجل تحذيرهم عن الوقوع في الشرور ومضارّها ، يقال : خيّر الشيء على غيره : فضّله عليه . أو إنّه تعالى أمرهم بالخير أمر تخيير أي لا أمر قسر وإلجاء ، ونهاهم عن الشرّ نهي تحذير واحتراز ، لا نهي إجبار ورافع للاختيار ، أو إنّه أمرهم بالخير لأن يختاروه ويكون أمره داعيا لهم إلى اختياره ، ونهاهم عن الشرّ كي يحذروه ، ويكون نهيه من بواعث تجنّبهم عن الشرور . ( 5 ) أي إنّه تعالى لا يكون في حال عصيان العصاة مغلوبا لهم ، ولا في حين إطاعة المطيعين مكرها وقاسرا لهم على الإطاعة ، إذ لم تتعلّق إرادته تعالى على المطيعين وعدم عصيان الخلق بنحو الحتم والتعيّن وبنحو القهر والغلبة - وإلّا خرجا عن كونهما إطاعة ومعصية - بل إنّه تعالى أراد منهم أن يطيعوه باختيارهم ولا يعصوه باختيارهم ، ومثل إرادته تعالى لأعمال خلقه مثله طبيب ناصح لحبيبه في الحفاظ على جهات الصحة ، والتجنب عن مظانّ المرض وموارده . وممّا يلائم هنا جدّا ما رواه القاضي القضاعي عن أمير المؤمنين عليه السّلام كما في المختار ( 8 ) من الباب : ( 9 ) من دستور معالم الحكم ص 110 ، قال : وسأله رجل عن تفسير « لا حول ولا قوّة إلّا باللّه » . فقال [ عليه السّلام ] : تفسيرها : إنّا لا نملك مع اللّه شيئا ، ولا نملك من دونه شيئا ، ولا نملك إلّا ما ملّكنا مما هو أملك به ، فمتى ملّكنا ما هو أملك به كلّفنا ، ومتى أخذ منّا وضع عنّا ما كلّفنا ، إنّ اللّه عزّ اسمه أمرنا تخييرا [ مختبرا « خ » ] ونهانا تحذيرا ، وأعطانا على قليل كثيرا ، لن يطاع ربّنا مكرها ولن يعصي مغلوبا . ( 6 ) أي إنّه تعالى لم يملّك التخيير والقدرة للمأمورين بنحو التفويض والتسريح المطلق ، وإيكال الأمر إليهم وإهمالهم كي يعملوا ما يشاؤون ويأتوا بما يريدون بحيث لا يكون لهم ثواب ولا عقاب ولا تحسين ولا توبيخ ، بل بيّن لهم الرشد من الغيّ ورغّبهم في الرّشد ونفّرهم عن الغيّ وأعطاهم القدرة تفضّلا ، فمن أطاعه رفع له مقاما كريما ، ومن عصاه يصله عذابا أليما .