الشيخ المحمودي
180
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
ثمّ تكلّم رؤساء القبائل ، فأمّا من ربيعة وهي الجبهة العظمى فقام كردوس ابن هانىء البكري فقال : أيّها الناس ، إنّا واللّه ما تولّينا معاوية منذ تبرأنا منه ، ولا تبرأنا من عليّ منذ توليناه ، وإنّ قتلانا لشهداء ، وإنّ أحياءنا لأبرار ، وإنّ عليّا لعلى بيّنة من ربّه ، ما أحدث إلّا الإنصاف ، وكلّ محقّ منصف ، فمن سلم له نجا ، ومن خالفه هلك « 3 » . ثمّ قام شقيق بن ثور البكري فقال : أيّها الناس ، إنّا دعونا أهل الشام إلى كتاب اللّه فردّوه علينا فقاتلناهم عليه ، وإنّهم دعونا إلى كتاب اللّه ، فإن رددناه عليهم حلّ لهم منّا ما حلّ لنا منهم ، ولسنا نخاف أن يحيف اللّه علينا ولا رسوله « 4 » وإنّ عليّا ليس بالراجع الناكص ، ولا الشاك الواقف ، وهو اليوم على ما كان عليه أمس ، وقد أكلتنا هذه الحرب ، ولا نرى البقاء إلّا في الموادعة ! ثم قام حريث بن جابر البكري فقال : أيّها الناس ، إنّ عليّا لو كان خلفا من هذا الأمر « 5 » لكان المفزع إليه ، فكيف وهو قائده وسائقه ، وإنّه واللّه ما قبل من القوم اليوم إلّا ما دعاهم إليه أمس ، ولو ردّه عليهم كنتم له أعنت ، ولا يلحد في هذا الأمر إلّا راجع على عقبيه أو مستدرج بغرور « 6 » فما بيننا وبين من طغى علينا إلّا السيف . ثمّ قام خالد بن المعمر فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّا واللّه ما اخترنا هذا المقام
--> ( 3 ) وقريب منه ومن التالي جاء في كتاب الإمامة والسياسة : ج 1 ص 119 ، غير أنّه ذكر بدل « شقيق بن ثور » سفيان بن ثور . ( 4 ) يقال : « حاف عليه - من باب باع - حيفا » : جار عليه وظلمه . ( 5 ) أي متخلّفا عنه غائبا غير حاضر . ( 6 ) لا يلحد : لا يطعن ولا يجادل ولا يماري . وقوله : « إلّا راجع على عقبيه » كناية عن الرجوع إلى الآراء الجاهلية سريعا . وقوله : « أو مستدرج بغرور » أي من يؤخذ درجة بعد درجة ، وشيئا بعد شيء في غروره . وقوله هذا لعلّه إشارة إلى قوله تعالى في الآية : « 181 » من سورة الأعراف 7 ، والآية : « 44 » من سورة القلم : 68 : « سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ » .