الشيخ المحمودي
119
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
استثقل الحقّ أن يقال له ، أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه ، فلا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل ، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطئ ، ولا آمن ذلك من فعلي إلّا أن يكفي اللّه من نفسي ما هو أملك به منّي « 37 » فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره ، يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا ، وأخرجنا ممّا كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه « 38 » فأبدلنا بعد الضّلالة بالهدى ، وأعطانا البصيرة بعد العمى . فأجابه الرجل الّذي أجابه من قبل فقال : أنت أهل ما قلت واللّه ، واللّه فوق ما قلته ، فبلاؤه عندنا ما لا يكفر « 39 » وقد حملك اللّه تبارك وتعالى رعايتنا ، وولّاك سياسة أمورنا فأصبحت علمنا الّذي نهتدي به ، وإمامنا الّذي نقتدي به ، وأمرك كلّه رشد ، وقولك كلّه أدب ، قد قرّت بك في الحياة أعيننا ، وامتلأت من سرور بك قلوبنا ، وتحيّرت من صفة ما فيك من بارع الفضل عقولنا ، ولسنا نقول لك أيّها الإمام الصّالح تزكية لك ، ولا نجاوز القصد في الثناء عليك ، ولم
--> ( 37 ) وهذا نظير قوله تعالى في الآية : ( 53 ) من سورة يوسف : « وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي » . أي لا آمن الخطأ في نفسي وعملي إلّا أن يكفيني اللّه ، وييسّر لي فأكون على أمن من الخطأ . وأدلّة عصمته عليه السّلام تدلّ على أن اللّه يسّر له وكفاه الأمن من الخطأ والخطل والعثرة والزّلل . ( 38 ) هذا بيان لقاهريته تعالى وأنّه إذا أراد شيئا فإرادة غيره وقدرته مقهورتان مغلوبتان في جنب إرادة اللّه ، فإذا أراد أن يكون سفراؤه وأوصياؤهم الحافظون لدينهم معصومين مأمونين من الخطأ ، كي لا يكون للناس على اللّه حجة ، وليهلك من هلك عن بينة ، فلا بدّ إذا من مقهورية قواهم البشرية الداعية إلى ما تلائمها من الشهوات ، والمقتضية في ذاتها لصدور الخطأ ، تحت إرادة اللّه جلّت قدرته فلا محيص إذا عن عصمتهم . ( 39 ) المراد من البلاء - هنا - : النعمة ، أي إنّ نعمته تعالى عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها أي سترها . أو المعنى أنّ النعم المذكورة لا يجوز كفرانها وترك شكرها .