الشيخ المحمودي

11

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

الدين ، ورشحة من معارف سيّد الوصيين ، وخليفة سيّد المرسلين ، ومهما سبرت كتب الأخبار ، وتصفّحت جوامع الأدب والآثار وثقفت التفاسير والتواريخ ، عثرت له على مصادر وثيقة ، ومدارك قوية قويمة قديمة ، وكلما اطّلعت على كتب المعرضين عن أمير المؤمنين ، وتأمّلت كلمات المنحرفين عنه وأساطيرهم ، رأيت البغضاء مجسّمة ، والشّحناء ممثّلة ، والمحادّة مجسّدة ، والشنآن قد تجاوز النهاية ، والمعاداة مسفرة ، والمكابرة متراكمة ، والمشاقّة ملموسة ، فعرض لي من البهر والدهشة والحيرة ما لا يوصف ، إذ لم أجد - ولن يوجد أبدا - مثل كتاب نهج البلاغة حقيقة نيّرة أوقدت من شجرة طيبة مباركة علوية - أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كلّ حين ، ويكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، ويوشك نورها أن يعبق العالم ، ويفيق قاطنيه من الاغماء ، ويخلّصهم من الدّواهي واللأواء وهو مع هذا مورد النقاش والاستنكار ، ! ! وكيف يمكن النقاش فيه وقد اكتنفته الشواهد الداخلية والخارجية ، وحفّت به المعاضدات اللفظية والمعنوية ، ولفّت به القرائن الحالية والمقالية ، وجلّ ما فيه ممّا أجمع واتفق على روايته علماء السنة والإمامية ، وهل يمكن ستر الشمس بالكفّ ، أو يتيسّر إخماد نور اللّه بالنّفث ، ويأبى اللّه إلّا أن يتم نوره ولو كره الفاسقون ، وكيف لا يستعجب الفطن الخبير المنصف من ذلك ، مع أنه لم يعرف - ولن يعرف أبدا - بعد القرآن الكريم نظير كلام أمير المؤمنين - عليه السلام - عزّا عربيّا سرمدا ومع ذلك يقع في معرض الإنكار ، ويكون هدفا للنقاش ، ويقابل بالمكابرة والمجادلة ، وكيف لا يتعجب اللبيب ولم يعهد - ولن يكون معهودا لأحد - بعد الفرقان المجيد مثيل نهج البلاغة أساسا أدبيّا مخلّدا قد تمثّل بصورة الإعجاز ، ومع الوصف يجهل قدره ؟ ! لا يقدّره ذووه ، ولا يصدّقه أهلوه ؟ ! ! وكيف لا يعجب الحكيم - أو يلام على ذلك - ولم يشاهد - ولن يشاهد أبدا - بعد تنزيل العزيز الحميد ، عديل نهج البلاغة بيانا جامعا للحقائق ، وكاشفا عن الغرض من إيجاد العالم وتشريع القوانين الإلهية ، وبعث الأنبياء والسفراء ، ومحاسبة العباد في يوم المعاد ، وهل يترقب مثله كلاما شارحا للإسلام ومزاياه الراقية ؟ ! وهل ينتظر شبهه بيانا سائقا إلى الايمان