السيد حسن الصدر الكاظمي
66
نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين
وقال الحموي بعد ذلك : قلت أنا : فالذي يقع لي ويغلب على ظنّي أنّ المنذر لمّا صنع الغريين بظاهر الكوفة سنّ تلك السنّة ، ولم يشرط قضاء الحوائج الثلاث التي كان يشرطها ملك مصر ، واللَّه أعلم . وإنّ الغريين بظاهر الكوفة بناهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء ، وكان السبب في ذلك : أنّه كان له نديمان من بني أسد ، يقال لأحدهما : خالد بن نضلة ، والآخر عمرو بن مسعود ، فثملا ، فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه ، فأمر وهو سكران ، فحفر لهما حفيرتان في ظهر الكوفة ، ودفنهما حيّين ، فلمّا أصبح استدعاهما ، فأخبر بالذي أمضاه فيهما ، فغمّه ذلك وقصد حفرتهما ، وأمر ببناء طربالين عليهما وهما صومعتان . فقال المنذر : ما أنا بملك إن خالف الناس أمري ، لا يمرّ أحد من وفود العرب إلّا بينهما ، وجعل لهما في كلّ سنة يوم بؤس ويوم نعيم ، يذبح في يوم بؤسه كلّ من يلقاه ، ويغري بدمه الطربالين ، فإن رفعت له الوحش طلبتها الخيل ، وإن رفع طائر أرسل عليه الجوارح حتّى يذبح ما يعني « 1 » ويطليان بدمه . ولبث بذلك برهة من دهره ، وسمّي أحد اليومين يوم البؤس ، وهو الذي يقتل فيه ما ظهر له من إنسان وغيره ، وسمّي الآخر يوم النعيم يحسن فيه إلى كلّ من يلقى من الناس ، ويحملهم ويخلع عليهم . فخرج يوماً من أيّام بؤسه ، إذ طلع عليه عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر ، وقد جاء ممتدحاً ، فلمّا نظر إليه قال : هلّا كان الذبح لغيرك يا عبيد ! فقال عبيد : أتتك بحائنٍ رجلاه ، فأرسلها مثلًا ، فقال له المنذر : أو أجل قد بلغ أناه ، فقال رجل ممّن
--> ( 1 ) في المعجم : ما يعنّ .