السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي
192
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية
تجد كلام العجم في مخاطاتهم أطول . وهذا معنى قوله صلّى اللّه عليه وآله : « أوتيت جوامع الكلم ، واختصر لي الكلام اختصارا » . إلى أن قال : والملكات لا تجعل إلّا بتكرار ، فيزيد التكرار حتّى تكون الصفة التي تحصل بتكرارها للنفس ملكة ، أي : صفة راسخة ، فالمتكلّم من العرب الآن بالنسبة إلى لسانهم العرفي ، وإن لم يكن هو لسان مضر الصريح ، يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم ، وكيفيّة تعبيرهم عن مقاصدهم ، فيلقنها كما يسمع الصبي استعمال المفردات فيلقنها . ثمّ لا يزال يتجدّد ويتكرّر حتّى يصير ذلك ملكة راسخة ، وهكذا كانت الحال في اللسان المضري ، وترسخ فيه مثل هذا سواء بسواء ، وجودة العبارة من المعنى المراد وقصورها بحسب تمام الملكة ونقصانها ، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات ، وإنّما هو بالنظر إلى التركيب . فإذا حصلت الملكة التامّة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ، ومراعاة التأليف الذي يطيق الكلام على مقتضى الحال ، بلغ حينئذ المتكلّم الغاية من إفادة مقصوده السامع ، وهذا هو معنى البلاغة . ثمّ قال بعد أن قرّر ما نقلنا خلاصته : وما زالت هذه البلاغة ديدن العرب ومذهبهم إلى هذا العهد ، ولا تلتفتنّ إلى خرفشة النحاة أهل الأعراب ، القاصرين عن التحقيق ، حيث يزعمون أنّ البلاغة في العصر قد ذهبت ، وأنّ اللسان العربي قد فسد ، اعتبارا بما وقع في أواخر الكلم من فساد الأعراب ، ونحن نجد اليوم الكثير من الألفاظ العربيّة لم تزل عن موضوعاتها وأساليب الكلام ، وقوّته من النظم والنثر ، موجود في مخاطباتهم ، وفيهم الخطيب المصقع في محافلهم ، والشاعر