السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي
19
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية
البادية جمع كثير ، ووفد عليه من كبار السادة الأعيان ، من يعضده ويقويه في قرية يقال لها : بقران ، فعظمت بهم صولته ، ونهضت دولته ، ولم يزل محتوفا باللطائف ، إلى أن وصل إلى أرض الطائف ، فأخذ بها يوما أو مثله ، يمهّد فيها خيله ورجله ، وسار على عقبة يعرج ، وأكفّه الكريمة تهبّ الأموال وتخرج ، والأقوام خلفه وأمامه ، وكلّ منهم يعدّ جنابه العالي قبلته وإمامه ، وهو يقطع بهم الفيافي والقفار ، إلى أن حطّت ركائبه في موضع يقال له : انكسار . ولمّا سمع عبد الكريم بإقباله ، خرج إلى حربه وقتاله ، فالتقى الجمعان بأعالي عرفة ، ولم يزل يقاتله حتّى كسره وصرفه ، فرجع إلى موضع يقال له : الشريفة ، حيث لم يجد في قومه إلّا من عزم على الهزيمة الشنيعة ، فنكس وهو كاسف البال ، أسير همّ وبلبال ، وعلمك بحال المكسور ، الذي ورد عليه الحزن بعد السرور ، فتوسّط بينهم كبار السادة ، ذوو الرئاسة والسعادة . فبني الأمر على المهادنة ، وأن يلزم كلّ من الفريقين مواضعه وأماكنه ، إلى أن يصل الحاجّ ، فيرتفع ذلك العلاج ، غير أنّ من مع سعيد من السادة والخدّام ، لا يمنعون من الورود إلى بلد اللّه الحرام ، لقضاء مصالحهم وأوطارهم ، لاحتياجهم إلى ذلك وافتقارهم ، فدخل صبيحة ذلك اليوم جمّ غفير من هؤلائك القوم ، وهو يوم الأحد لثلاث بقين من ذي القعدة الحرام سنة ألف ومائة وثلاث وعشرين . وكان من جملة من دخل مكّة المشرّفة السيّد الشريف محمّد بن عبد الكريم ، الذي كان يكنّى بأبي الخناصر ، وملك مكّة الشريف عبد الكريم ، مقيم بأعاليها ليدخل إليها في وقت مختار في ذلك النهار ، فأصبح وهو ينتظر خروج العساكر لتلقّيه ، كما هو عادة ملوك مكّة إذا رجعوا من سفر أو حرب . فما شعر أهل مكّة إلّا وقد نزل السيّد محمّد بن عبد الكريم إلى محكمة الشرع