السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي

14

تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية

وفي هذه الولاية حصل لأهالي مكّة من الاضطراب بسبب كثرة الحروب ، وتوالي الحوادث المزعجة والكروب ، والغلاء المديد ، والقحط الشديد ، ما أذهب أموالهم ، وشتّت أحوالهم ، وقرّب آجالهم ، وخرّب دورهم ، وهدم قصورهم ، حتّى أصبح ذو الثروة كالبائس الفقير ، واللائذ المستجير . وسبب هذا الأمر الفضيع ، الذي شيّب طفل أهالي مكّة والرضيع ، من وجوه جمّة ، أنتجت هذه الخطوب المدلهمّة : أوّلها : قلّة الأمطار ، في تلك النواحي والأقطار . وثانيها : قطع السبل والمسالك عن الوافدين بالخيرات إلى تلك الممالك ، وتغلّب البادية والأعراب ، لعدم معاملتهم بالارهاب والارعاب . ولهذين الأمرين الأخيرين أسباب وشواهد ، تولّدت منها تلك المفاسد ، ونشأت عنها تلك الشدائد ، وهو أنّه لمّا أراد والده الشريف سعيد النزول عن شرافة مكّة المعظّمة ، وتحلية ولده بعقود ولايتها المنظّمة ، نفر لذلك جمّ غفير من السادة الأشراف ، إذ لم يزالوا مع والده في نهاية العزّة ، مع تواصل الامداد والاسعاف ، وناهيك بسعد ونائله ، وحسن سيرته ، وكرم شمائله . وقد أملينا عليك من صفاته الرضيّة ، ومزاياه المرضيّة ، ما تطيب بذكره النفوس ، وتعبق بنشره الطروس ، فلم يرضوا بذلك ، وتفرّقوا في جميع المسالك . ثمّ أجمعت آراؤهم السديدة ، وأفكارهم الرشيدة ، بأن يستخدم كلّ منهم جدّه ، ويستعمل جدّه ، وينزلون جميعا في طريق جدّة ، حتّى يصير البندر وراء ظهورهم ، لقضاء مصالحهم ، وتمهيد أمورهم . وكان صاحب جدّة في ذلك الزمان ، معتمد الدولة العليّة الباشا سليمان ، فشرعت بينهم وبينه المكاتبة والمراسلة ، وظهرت آثار المحاربة والمقاتلة ، فاشتدّ