السيد مهدي الرجائي الموسوي
26
المعقبون من آل أبي طالب ( ع )
يصلح لذلك دون غيره . فقال لهم المأمون : أمّا ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه ، ولو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم ، وأمّا ما كان يفعله من قبلي بهم ، فقد كان به قاطعا للرحم ، وأعوذ باللّه من ذلك ، وو اللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا ، ولقد سألته أن يقيم بالأمر وأنزعه عن نفسي فأبى ، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا . قلت : فانظر إلى تدليس هذا الرجل وتزويره ، كيف لبّس على الناس وأظهر حبّ آل محمّد ، وأضمر قلعهم من الأساس على خلاف ما كان عليه آباؤه من التجاهر بجفائهم وتبعيدهم وتخليدهم بالحبوس ، وقتلهم أنواع القتل ، حتّى نقم عليهم القريب والبعيد ، فدخل المأمون من هذا الباب ، وكاد به بني أبيه ، ورام تخويفهم فيه . وفي قوله « ولقد سألته أن يقيم بالأمر وأنزعه عن نفسي فأبى » فامتناع الرضا عن ذلك من أعظم كراماته لمن تأمّل ووعى ، وهو المطّلع على حقيقة ما أضمره المأمون في سويداء الحشاء . فلنرجع إلى تتمّة كلام المفيد ، قال : وأمّا أبو جعفر محمّد بن علي فقد اخترته لتبريزه على كافّة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنّه ، والأعجوبة فيه بذلك ، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه ، فيعلموا أنّ الرأي ما رأيت فيه . فقالوا : انّ هذا الصبي وإن راقك في هديه ، فإنّه صبي لا معرفة له ولا فقه ، فأمهله يتأدّب ويتفقّه في الدين ، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك . فقال لهم : ويحكم انّني أعرف بهذا الفتى منكم ، وانّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه وموادّه وإلهامه ، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال ، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما تبيّن لكم به ما وصفت من حاله . قالوا : قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه ، فخل بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة ، فإن أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره ، وظهر للخاصّة والعامّة سديد رأي أمير المؤمنين ، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه . فقال لهم المأمون : شأنكم وذاك متى أردتم . فخرجوا من عنده ، واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم ، وهو يومئذ قاضي الزمان ، على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها ، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك ، وعادوا إلى المأمون ، فسألوه أن يختار لهم يوما