محمد بن علي بن طباطبا ( ابن الطقطقي )

32

الأصيلي في أنساب الطالبين

فإن كان الشافعي قد اخترع المشجّر ، فليس من ذكائه ببديع ، ولا من فضله ببعيد ، وللّه درّ مخترعه ، فما أحسن ما اخترع ، وسقى الغيث مبتدعه ، فما أظرف ما ابتدعه . ولقد قرّب على الطالبين بعيده ، وسهّل عليهم شديده ، فانّه اقتضبه « 1 » اقتضابا ، فائزا من الحسن بأولاه وأحراه ، صاربا « 2 » في الفصل بمعلّاه « 3 » . وصورة ما فعل أنّه جعل الباء من ابن بعد أن كانت محتاجة إلى نونات كثيرة عند تعدّد الأولاد غنيّة بنون واحدة ، ترمى الباءات جميعها فيها ، ولولا ذلك لاحتاجت كلّ باء إلى نون ، وذلك يؤدّي إلى كثرة المدّات المستهجنة في رؤية العين ، والى الطول الخالي من الفائدة الداعي إلى الملالة . وما أشبه المشجّر الّا بوضع سياقة الحساب ، فانّهم قرّبوا بها بعيدا ، لولا هي لبعدت شقّته ، ولعظمت مشقّته ، والسياقة أعجميّة وعربيّة . فواضع العجميّة أبو علي بن سينا البخاري « 4 » حين ولي الديوان ، وواضع العربيّة كاتب عبد الملك بن مروان ناقل الديوان من الروميّة إلى العربيّة . فاختصر هؤلاء الواضعون الطريق إلى ايضاح المعاني بما اخترعوه من تلك التقريبات والرموز المعجبات والإشارات الرائقات . وما أحسن تسميته بالمشجّر ، فأنت ترى السلسلة منه ، وكأنّها شجرة قائمة على عروشها ، أغصانها كأغصانها ، وأفنانها كأفنانها ، وقائمها كقائمها ، ومتهدّ لها

--> ( 1 ) اقتضبه : اقتطعه من الشيء ، واقتضاب الكلام : ارتجاله . الصحاح . ( 2 ) المصرب : الاناء الذي فيه اللبن أي يحقن . الصحاح . ( 3 ) في الغاية : ضاربا في الفضل بمعالمه . ( 4 ) هو أبو علي الحسين بن عبد اللّه بن سينا البخاري ، الشيخ الفيلسوف المعروف ، الملقّب بالشيخ الرئيس ، كان أبوه من بلخ في شمال أفغانستان ، توفّي بهمدان سنة 428 أو 427 .