مهدى مهريزى و على صدرايى خويى

219

ميراث حديث شيعه

--> من نية لا خير فيه ولا ثواب عليه ، فكيف تفضل النية الجميلة عليه وفيها خير وثواب على كل حال . وقال : الوجه الآخر : أن يكون نية المؤمن في الجميل خير من عمله الذي هو معصية . فقلت : وهذا يبطل أيضا بما بطل به الوجه الأوّل ؛ لأنَّ المعصية لا خير فيها ، فيفضل غيرها عليها فيه . وقالت الحضرة السامية ؛ تحقيقاً لذلك وتصديقاً : هذا هجو لنية المؤمن ، والكلام موضوع على مدحها وإطرائها ، وأيّ فضل لها في أن يكون خيراً من المعاصي ، وإنّما الفضل في أن تكون خيراً مما فيه خير . فسئلت حينئذ ذكر الوجه الذي عندي ، فقلت : لا تحمل لفظة خير في الخبر على معنى أفعل الذي هو للتفضيل والترجيح ، وقد سقطت الشبهة . ويكون معنى الكلام : إنّ نيّة المؤمن من جملة الخير من أفعاله ، حتى لا يقدر مقدِّر أن النية لا يدخلها الخير والشر ، كما يدخل ذلك في الأعمال . فاستحسن هذا الوجه الذي لا يحوج إلى التعسّف والتكلّف اللذين يحتاج إليهما إذا جعلنا لفظة خير معناها معنى أفعل . وانقطع الكلام لدخول الوقت السعيد المختار لدخول البلد ونهوض الحضرة السامية - أدام اللَّه سلطانها - للركوب ، وكان في نفسي أن أذكر شواهد لهذا الوجه ، ولواحقَ يقتضيها الكلام . وخطر بعد ذلك ببالي - إن شاء اللَّه - وجهان سليمان من الطعن إذا حملنا لفظة خير في الخبر على معنى الترجيح والتفضيل ، وأنا أذكر ذلك : أما شواهد ما استخرجته من التأويل من حمل لفظة خير على غير معنى التفضيل والترجيح فكثيرة . وقد ذكرت ذلك في كتابي المعروف بالغرر ، في تأويل قوله تعالى : « وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا » من الكلام على هذا الوجه ما استوفيته ، وذكرت قول المتنبي : أبعد بعدت بياضاً لا بياض له * لأنت أسود في عيني من الظلم وأنّ الألوان لا يتعجب منها بلفظ : أفعل ، الموضوع للمبالغة ، وكذلك الخلق كلها ، وإنما يقال : ما أشد سواده ، وإن معنى البيت ما ذكره أبو الفتح عثمان بن جني من أنه أراد أنك أسود من جملة الظلم ، كما يقال : حرٌّ من الأحرار ولئيم من اللئام ، فيكون الكلام قد تم عند قوله : من الظلم . واستشهد ابن جنّي أيضاً على صحّة هذا التأويل بقول الشاعر : وأبيض من ماء الحديد كأنه * شهاب بدا والليل داج عساكره كأنه يقول : وأبيض كأنّ من ماء الحديد ، وقلت أنا : يا ليتني مثلك في البياض * أبيض من أخت بني أباض