السيد هاشم البحراني

19

غاية المرام وحجة الخصام في تعيين الإمام من طريق الخاص والعام

وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول : " يا دنيا غري غيري ، أبي تعرضت أم إلي تشوقت ؟ هيهات قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيها ، وعمرك قصير وخطرك حقير ، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق " فبكى معاوية وقال : رحم الله أبا حسن كان والله كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال حزن من ذبح ولدها في حجرها ( 1 ) . الثامن : ابن شهرآشوب عروة بن الزبير قال تذاكرنا صالح الأعمال فقال أبو الدرداء : أعبد الناس علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) سمعته قائلا بصوت حزين ونغمة شجية في موضع خال : " إلهي كم من موبقة حملتها عني فقابلتها بنعمك ، وكم من جريرة تكرمت علي بكشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا مؤمل غفرانك ولا أنا براج غير رضوانك " ثم ركع ركعات فأخذ في الدعاء والبكاء فمن مناجاته : " إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي ، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي " ثم قال : " آه ، إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول : خذوه فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ولا تنفعه قبيلته ، يرجمهم البلاء إذا أذن فيه بالنداء ، آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزاعة للشوى ، آه من غمرة من لهبات لظى " ثم انفجر في البكاء فلم أسمع له حسا فقلت : غلب عليه النوم ، أوقظه لصلاة الفجر فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحركته فلم يتحرك فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون مات والله علي بن أبي طالب ، قال فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة : ما كان من شأنه ؟ فأخبرتها فقالت : " هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله " ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ، ونظر إلي وأنا أبكي فقال : مما بكاؤك يا أبا الدرداء ؟ فكيف لو رأيتني ودعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرايم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاظ شداد ، وزبانية فظاظ ، فوقفت بين يدي الملك الجبار ، قد أسلمتني الأحباء ورحمني أهل الدنيا أشد رحمة لي بين يدي من لا يخفى عليه خافية ( 2 ) . التاسع : ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة قال : روى زرارة قال : قيل لجعفر بن محمد ( عليه السلام ) : إن قوما هاهنا ينتقصون عليا قال : " بم ينتقصونه لا أبا لهم ؟ وهل فيه موضع نقيصة ، والله ما عرض لعلي أمران قط كلاهما لله طاعة إلا عمل بأشدهما وأشقهما عليه ، ولقد كان يعمل العمل كأنه قائم بين

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : 18 / 225 . ( 2 ) مناقب آل أبي طالب : 1 / 389 .