الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
87
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
وله ولغيره جمٌّ من هذا القبيل ، وما هو أوسع وأنفع منه بكثير . ولعلّنا نأتي عليه في مواضيع أُخرى من هذا الجزء نستوفي بعضه ونحصيه ؛ لأنّنا نعدّه شهادة حقٍّ لنا ممّن ليس هو منّا ، ولا متّهماً في حقّ سوانا ولا في حقّنا ، ولكن حيّا اللَّه الحقائق التي لا تعدم لها نصيراً حتّى ممّن يصدّ عنها ، وظهيراً يعترف بها على أنّه يلحد فيها . وليس كلّ هذا من القصد وإن طال كلامنا فيه . إنّما القصارى والمتحصّل من كلّ ما سبق هو : أنّنا بعدما أثبتنا أنّ لهذا العالم قوّة مدبّرة معنية بإصلاحه وسعادته باختياره وإرادته عاملة على تنسيق شؤونه ونظم معاشه ومعاده على أبدع ما في الإمكان وأنّ ذلك هو أقصى الغرض والغاية من إيجاده لا للانتفاع به ولا للانتقام منه ولا لإظهار القوّة والسلطة عليه ، ثمّ نظرنا في جملة من نواميسه وشرائعه التي سنّها ووضعها لتلك الغاية من الإصلاح ، فوجدناها - بضرورة العقول وبديهة الفطرة وشهادة من لا يؤمن بتلك القوّة - ناقصة ليس فيها سداد من عوز ولا دفع لحاجة ولا صلاح لكلّ فساد ، ثمّ نظرنا في أُخرى بعينها وأغرقنا نزعاً في مشروعاتها ، فوجدناها لم تدع كثيراً ولا قليلًا ولم تهمل نقيراً ولا فتيلًا حتّى حلّ العقال وأرش الخدش ودية النطفة دافعة كلّ شقاء جالبة لكلّ سعادة جامعة للعدل والزيادة واقفة على حدّ الوسط والمركز في كلّ سانحة ولامحة وغادية ورائحة : « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً » « 1 » ، فهل يسوغ في حكم العقول وضرورة الوجدان - والحال على ما عرفت - أن نحكم بأنّ تلك شرائع إلهية ونواميس قدسية دون هذه التي هي بتلك السعة والإحاطة والجامعية والبساطة ؟ !
--> ( 1 ) سورة البقرة 2 : 143 .