الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

269

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية

السجوف « 1 » والبدر الذي لا يسري إليه السرار « 2 » والكسوف . قد ضبط كلّ قومه جميع تنقّلاته وأطواره منذ نعمت الدنيا بالظفر في نعومة أظفاره . ولِمَ لا فزعت قريش إلى أهل بابل في حلّ سحره وإبطال مكره ؟ ! وليت شعري ( مسيلمة ) هذا ، أهو ( مسيلمة الكذّاب ) النابغ في قومه بما يزعمه قرآناً من مثله قوله : ( ضفدع بنت ضفدعين ! نِقّي ما شئت أن تنقّين ! أعلاك في الماء وأسفلك في الطين ) ! وقوله : ( والطاحنات طحناً ، والعاجنات عجناً ، والخابزات خبزاً ! ) « 3 » . فإن كان هذا هو الذي عناه فقد رضينا ( بالوليد ) بل بالطفل حَكَماً ! وما الغرض في نقل كلامه بيان ضعف خصامه وضعة أوهامه ، واختلال ما تخيّله وإحالة ما تمحّله ، بل الغرض بيان اندهاش لبّه وانذهال عقله ، وارتباكه في الحيرة واشتباكه في الشبهة ، فصار يحيل في كلامه ويتناقض في دعاويه وأحكامه ، حيث وصف ( محمّداً ) صلى الله عليه وآله وسلم أوّلًا بالصدق والصيانة ، ثمّ وصمه - معاذ اللَّه - بأعظم الخيانة ! وهو في كلّ ذلك كقومه غير شاعر بسوء سومه وحيف حكمه وحزّ حزمه . نعم ، وكلّما ازدادت المعرفة واشتدّت في الشيء المهارة وتقوّى الحذق واللباقة ، وجاء الشيء باهراً في صنعته فائقاً في نظائره متعالياً في سموّه ونموّه وخصائصه وتميّزه ، اشتدّ العجب به والتبهّر والاستحسان له والتحيّر .

--> ( 1 ) السجف : الستر . ( القاموس المحيط 3 : 155 ) . ( 2 ) السِرار : يوم يستسرّ فيه الهلال ، آخر يوم من الشهر أو قبله . ( العين للفراهيدي 7 : 187 ) . ( 3 ) لاحظ : تاريخ الطبري 3 : 134 ، إعجاز القرآن للباقلاني 211 ، الكامل في التاريخ 2 : 244 ، البداية والنهاية 6 : 326 ، تاريخ آداب العرب 2 : 175 .