الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
227
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
فقال ( بشّار ) لقائده : ( ويحك ! انظر هل طار أمير المؤمنين من سريره أم لا ؟ ! ) « 1 » . هكذا تبلغ البلاغة من النفوس ، وتعمل في الألباب ، وتتصرّف في العقول والأجسام . وهذه البلاغة هي التي يستغني بها الكلام عن كلّ حلية وزينة وتنميق وزخرفة ، فيعود حسنه بذاته ، وصفاؤه بجوهره ، ورونقه بمائه ، وبهجته بحقيقته ، ونفاسته بنفسه . . لا بتصنّعات البديع ، وتكلّف الترصيع ، والتوشيع ، والجناس ، والاستخدام والتورية ، ومراعاة النظير ، وتشابه الأطراف ، وضرائبها من الأنواع المصطلح عليها في ذلك الفنّ « 2 » التي هي - على الأكثر - داعية انحطاط الكلام ، وذهاب رونقه ، وتكدير صفائه ، وتعكير مائه ، وتشعيث ديباجته ، وافتقاده لتلك الروعة والبهاء والأخذ بمجامع القلوب . نعم - والحقّ يقال - لا أنكر أنّ من القريض وسائر أنواع الكلام ما يحظى بكلا الحسنين ويجمع كلتا المزيتين ، فيتضاعف حسنه وتزداد بهجته ، فيكون له حسن القلادة على جيد الحسناء ، ( وفي عنق الحسناء يستحسن العقد ) . وهل ينكر اللطف والبراعة في مثل قول القائل : قلتُ للأهيفِ الذي فضحَ الغصن * كلامُ الوشاة لا ينبغي لكَ قال قولُ الوشاةِ عندي ريحٌ * قلت أخشى يا غصن أن تستميلكَ
--> ( 1 ) راجع الأغاني 4 : 35 - 36 . ( 2 ) راجع معاني هذه المصطلحات البلاغية في : مختصر المعاني 268 - 288 ، البلاغة العربية 2 : 373 وما بعدها .