علي بن أبي الفتح الإربلي

89

كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي )

لمشتغل القلب » . قلت : وما حزنك وما شغل قلبك ؟ قال : « يا جابرُ ، إنّه من دخل قلبه صافي خالص دين اللَّه شغله عمّا سواه ، يا جابر ، ما الدنيا وما عسى أن تكون ؟ « 1 » إن هو إلّا مركبٌ ركبتَه « 2 » ، أو ثوب لبسته ، أو امرأةٌ أصبتَها . يا جابر ، إنّ المؤمنين لم يطمئنّوا إلى الدنيا لبقاء فيها ، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم ، ولم يصمّهم عن ذكر اللَّه ما سمعوا بآذانهم من الفتنة ، ولم يُعمِهِم عن نور اللَّه ما رأوا بأعينهم من الزينة ، ففازوا بثواب الأبرار ، وإنّ أهل التقوى أيسَرُ أهل الدنيا مَؤونةً وأكثرهم لك معونةً ، إن نسيت ذكروك ، وإن ذكرت أعانوك ، قوّالين بحقّ اللَّه عزّ وجلّ ، قوّامين بأمر اللَّه ، قطعوا محبّتهم لمحبّة ربّهم ، ونظروا إلى اللَّه وإلى محبّته بقلوبهم ، وتوحّشوا من الدنيا لطاعة مليكهم « 3 » ، وعلموا أنّ ذلك منظور إليه من شأنهم ، فأَنزِلِ الدنيا بمنزلٍ نَزَلَت به وارتحلتَ عنه « 4 » ، أو كمالٍ أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء ، احفظ اللَّه ما استرعاك من دينه وحكمته » « 5 » .

--> ( 1 ) في م : « يكون » ، وضبط كلاهما في نسخة الكركي . ( 2 ) في الكافي : « إلّا طعام أكلته » . ( 3 ) المثبت من ن ، خ ، وهو موافق للكافي وتاريخ دمشق ، وفي سائر النسخ : « بطاعة مليكهم » . ( 4 ) خ : منه . ( 5 ) ورواه الكليني في الكافي : 2 : 132 - 133 كتاب الإيمان والكفر باب ذمّ الدنيا والزهد فيها : ح 16 مع زيادات في آخره ، وابن عساكر في ترجمته عليه السلام ( 41 ) ، وأورد محقّقه عن كتاب ذمّ الدنيا لابن أبي الدنيا : ق 53 / أ . وأورده ابن كثير في البداية والنهاية : 9 : 322 . وأورد نحوه ابن شعبة في تحف العقول : ص 286 - 287 . وأورد أيضاً نحوه في مواعظ الإمام الصادق عليه السلام من التحف : ص 377 . وسيأتي الحديث عن الحلية في ص 109 . بيان قال المجلسي : قوله عليه السلام : « صافي خالص دين اللَّه » كأنّ إضافة الصافي إلى الخالص للبيان تأكيداً ، ويحتمل اللاميّة ، أي المحبّة الصافية للَّه‌الحاصلة من خالص دينه . وفي تحف العقول : « من دخل قلبه خالص حقيقة الإيمان » . و « أكلته » واختاها على صيغة الخطاب ، ويحتمل التكلّم ، والغرض أنّ هذه لذّات قليلة فانية ، ولايختارها العاقل على النعم الجلية الباقية . « لم يطمئنّوا » أي لم يلههم الأمل الطويل عن العمل . « ولم يأمنوا » أي في كلّ حين . « قدومهم الآخرة » بالموت أو عذاب الآخرة . . . « ما سمعوا بآذانهم » من وصف ملاذ الدنيا وزهراتها وحكومة أهلها وبسطة أيديهم فيها والقصص الملهية الباطلة . « ولم يعمهم عن ذكر اللَّه » الحاصل بالعبرة من أحوال الدنيا وفنائها . . . « أيسر أهل الدنيا مؤونة » المؤونة - بالفتح - : القوت والثقل ، وذلك لأنّهم يكتفون بقدر الكفاية ، بل الضرورة ، و « المعونة » مصدر بمعنى الإعانة . . . « قطعوا محبّتهم » أي عن كلّ شيء ، أو عمّا لا يرضى اللَّه . « بمحبّة ربّهم » أي بسببها ، أو جعلوا محبّتهم تابعين لمحبّة اللَّه ولا يحبّون شيئاً إلّا لحبّ اللَّه له كقوله تعالى : « وما تشاؤون إلّا أن يشاء اللَّه » . « وحشوا الدنيا » الوحشة ضدّ الأنس ، أي لم يستأنسوا بالدنيا . « لطاعة مليكهم » أي مالكهم وسيّدهم ، أو ذي الملك والسلطنة عليهم ، إمّا لأمره بالزهد في الدنيا ، أو لأنّ طاعة اللَّه مطلقاً والإخلاص فيها لا تجتمع مع حبّ الدنيا . « نظروا إلى اللَّه وإلى محبّته بقلوبهم » الظرف في قوله : « بقلوبهم » متعلّق بنظروا ، أي لم ينظروا بعين قلوبهم إلّا إلى اللَّه أي رضاه ، أو معرفته ومراقبته وذكره وعدم الالتفات إلى غيره وإلى محبّته ، أي تحصيل حبّهم للَّه ، أو حبّ اللَّه لهم ، أو الأعمّ ، كما قال تعالى : « يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » ، أو ما يحبّه اللَّه من الأخلاق والأعمال والأقوال . « وعلموا أنّ ذلك » أي المذكور وهو اللَّه ومحبّته ، والإشارة للتعظيم . « وهو المنظور إليه » أي هو الّذي ينبغي أن ينظر إليه لا غيره . . . « فأنزل الدنيا » أي إجعلها عند نفسك كمنزل نزلته ، « ثمّ ارتحلت عنه » بل هذه الدنيا بالنسبة إلى الآخرة أقصر بالمراتب الغير المتناهية عن نسبة مدّة نزول المنزل بالنسبة إلى مدّة عمر الدنيا ، لأنّ الأولى نسبة المتناهي إلى غير المتناهي ، والثانية نسبة المتناهي إلى المتناهي . والغرض العمدة من التشبيه أنّها لم تخلق للتوطّن بل للعبور ، كما أنّ منازل المسافر إنّما بنيت لذلك . . . وهذا مثل للمبتدين ، ثمّ ذكر مثلًا كاملًا للكاملين وهو : « أو كما وجدته في منامك » الخ ، فإنّ أكثر النّاس في الدنيا كالنائمين لغفلتهم عن الآخرة وعمّا يراد بهم ، فإذا ماتوا لم يجدوا معهم شيئاً ممّا اكتسبوه في الدنيا للدنيا ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : « النّاس نيام إذا ماتوا انتبهوا » . ( مرآة العقول : 8 : 291 - 293 ) .