الشيخ محمد هادي معرفة
534
التفسير الأثرى الجامع
لكن الهواجس وخواطر النفس ليست ممّا في الوسع ، فلا يصحّ التكليف بها حتّى يأتيها النسخ ، وأمّا الإرادة والعزم ، فهو داخل في الوسع ، والآية لا ترفعه . توضيحه : أنّ النسخ إنّما يكون بين متنافيين ، ولا تنافي بين آية المحاسبة وآية رفع التكليف فيما لا يسع ، إذ لو أريد من آية المحاسبة ، المحاسبة على النوايا الإراديّة ، فهذه داخلة في الوسع ، ولا يرفعها آية الرفع ، لأنّها إنّما تنفي التكليف بما ليس في الوسع . وفي الحديث القدسيّ : « وذلك حكمي في جميع الأمم : أن لا أكلّف خلقا فوق طاقتهم » « 1 » . ولو أريد منها النوايا غير الإراديّة ، فهي بذواتها غير صالحة للتكليف ، فلا تكليف بها ذاتا ، وما لا تكليف بها ذاتا ، لا يصحّ وقوعها موردا للنسخ والرفع . والصحيح أنّ آية المحاسبة إنّما وردت بشأن النوايا الإراديّة ، والّتي هي مبادئ نفسيّة للإقدام والعمل ، فلا تنافيها آية نفي التكليف عمّا لا وسع فيه . على أنّ لحن الآية ( آية نفي التكليف بما لا يطاق ) هي نفي التكليف أساسا وذاتا ، حيث لا تكليف بما هو خارج عن الوسع ، لا رفعه بعد إمكان التكليف به ، وما لا يمكن التكليف فيه ، لا يصلح موردا للنسخ . إذن فلا تنافي بين الآيتين ، فلا نسخ . ومن ثمّ أنكر جماعة وقوع النسخ هنا ، إذ لا تنافي . [ 2 / 8248 ] أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس والضحّاك والحسن في الآية ، قال : هي محكمة لم ينسخها شيء ، يعرّفه اللّه يوم القيامة أنّك أخفيت في صدرك كذا وكذا ، ولا يؤاخذه « 2 » ! وأخيرا رجّح الطبري القول بعدم النسخ . قال القاضي أبو محمّد ابن عطيّة : وهذا هو الصواب ، وذلك أنّ قوله تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ معناه : ممّا في وسعكم وتحت كسبكم ، وذلك استصحاب المعتقد والفكر فيه ، فلمّا كان اللفظ [ بإطلاقه ] ممّا يمكن أن تدخل فيه الخواطر ، أشفق الصحابة حينذاك ، فيبيّن اللّه لهم ما أراد بالآية وخصّصها ، ونصّ على حكمه أنّه : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها .
--> ( 1 ) فيما سيأتي من كتاب الاحتجاج 1 : 330 . ( 2 ) الطبري 3 : 200 ؛ ابن أبي حاتم 2 : 574 ؛ أبو الفتوح 4 : 146 - 147 ؛ نواسخ القرآن لابن الجوزي : 101 ؛ القرطبي 3 : 422 ؛ ابن كثير 1 : 348 .