الشيخ محمد هادي معرفة

535

التفسير الأثرى الجامع

والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع ، بل هو أمر غالب ، وليست ممّا يكسب ولا يكتسب ، وكان في هذا البيان فرح الصحابة وكشف كربهم « 1 » . وهكذا ذكر ابن عاشور : أنّ إطلاق النسخ على هذا اصطلاح للمتقدّمين ، والمراد : البيان والتخصيص « 2 » . وقال الشيخ أبو جعفر الطوسيّ : يجوز أن تكون الآية الثانية بيّنت الأولى وأزالت توهّم من صرف ذلك إلى غير وجهه ، فلم يضبط الرواية فيه وظنّ أنّ ما يخطر للنفس أو تحدّث نفسه به ممّا لا يتعلّق بتكليفه ، أنّ اللّه يؤاخذه به ، والأمر بخلاف ذلك ، وإنّما المراد بالآية ما يتناوله الأمر والنهي ، من الاعتقادات والإرادات « 3 » وغير ذلك ممّا هو مستور عنّا ، فأمّا ما لا يدخل في التكليف « 4 » فخارج عنه ، لدلالة العقل . [ 2 / 8249 ] قال : ولقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « تجوّز لهذه الأمّة عن نسيانها وما حدّثت به أنفسها » « 5 » . ويشهد لهذا التأويل ، الحديث التالي : [ 2 / 8250 ] أخرج ابن جرير وابن منذر من طريق الزّهريّ عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ . . ضجّ المؤمنون منها ضجّة وقالوا : يا رسول اللّه : هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان كيف نتوب من الوسوسة ؟ كيف نمتنع منها ؟ فجاء جبريل بهذه الآية : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها إنّكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة « 6 » . [ 2 / 8251 ] وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة ، قال : لمّا نزلت : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشتدّ ذلك على القوم ، فقالوا : يا رسول اللّه إنّا لمؤاخذون بما نحدّث به أنفسنا ؟ هلكنا ! فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها

--> ( 1 ) المحرّر الوجيز 1 : 389 - 390 . ( 2 ) التحرير والتنوير 2 : 597 . ( 3 ) ممّا تكون اختياريّة وإن كانت قلبيّة مستورة عن غيره سوى اللّه . ( 4 ) من الخواطر والهواجس غير الإراديّة . ( 5 ) التبيان 2 : 382 ، وهكذا أبو عليّ الطبرسيّ في مجمع البيان 2 : 226 . ( 6 ) الدرّ 2 : 1333 - 134 ؛ الطبري 3 : 209 / 5099 ؛ الثعلبي 2 : 306 .