الشيخ محمد هادي معرفة
516
التفسير الأثرى الجامع
نعم ، الإنسان إنّما يقوم بأعمال هي انعكاسات لما ينطوي عليه باطنه ، وتجلّيات لما انطبعت عليه سريرته ، وبالأحرى فإنّ الأعمال إثارة للسرائر ، والبواعث الداخليّة هي الّتي تبدو بصورة أعمال ظاهريّة . وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح ، وعليه فليست تصرّفات الإنسان ومزاولاته في الحياة ، سوى تجسّدات لما ينطوي عليه باطنه من استعدادات وقابليّات ، وهي الّتي تشكّل واقعه الذاتيّ وشاكلته في حقيقة الأمر . فربّ عمل في ظاهره كبير لكنّه في واقعه - وبحسب ما نواه صاحبه - حقير ، أو كان بظاهره خيرا وكان القصد من ورائه الشرّ محضا . ومن ثمّ فإنّ الأعمال إنّما تقوّم حسب النيّات ، صاعدة بها أو هابطة . وأنّ لكلّ امرئ - من حظّ الكمال - ما نوى ، كما في الحديث : [ 2 / 8205 ] روى أبو جعفر الطوسي بإسناده إلى عليّ بن جعفر وعليّ بن موسى عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السّلام : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أغزى عليّا عليه السّلام في سريّة ، وأمر المسلمين أن ينتدبوا معه في سريّته . فقال رجل من الأنصار لأخ له : اغز بنا في سريّة عليّ ، لعلّنا نصيب خادما أو دابّة أو شيئا نتبلّغ به . فبلغ النبيّ قوله ، فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّما الأعمال بالنيّات ، ولكلّ امرئ ما نوى ؛ فمن غزا ابتغاء ما عند اللّه - عزّ وجلّ - فقد وقع أجره على اللّه ، ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا « 1 » ، لم يكن له إلّا ما نوى » « 2 » . [ 2 / 8206 ] وهكذا روى أصحاب السنن بالإسناد إلى عمر بن الخطّاب ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « إنّما الأعمال بالنيّات ، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى . فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله ، فهجرته إلى اللّه ورسوله . ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه » « 3 » .
--> ( 1 ) العقال : الغنائم ، إذا أخذت بأعيانها ، فإنّها تعقل أي تشدّ بحزام . ( 2 ) أمالي الطوسي : 618 / 1274 - 10 ، المجلس 29 ؛ ترتيب الأمالي 9 : 181 / 5326 - 8 . ( 3 ) مسند أحمد 1 : 25 و 43 ؛ البخاري 1 : 2 ؛ مسلم 6 : 48 ؛ البيهقي 2 : 14 ؛ الترمذي 3 : 100 / 1698 ، باب 16 ؛ ابن ماجة 2 : 1413 / 4227 ، باب 26 ؛ أبو داود 1 : 490 / 2201 ، باب 11 ؛ كنز العمّال 3 : 792 - 793 / 8779 ؛ تاريخ بغداد 2 : 244 و 6 : 153 ؛ ابن المبارك في الزهد : 188 ؛ الحلية 8 : 42 ؛ النسائي الكبرى 1 : 79 - 80 / 78 ؛ الطيالسي : 9 ؛ الحميدي : 28 ؛ كتاب الزهد - هنّاد 2 : 440 / 871 ؛ ترتيب الأمالي 6 : 391 - 392 ؛ غوالي اللئالي 1 : 81 - 82 / 3 .