الشيخ محمد هادي معرفة

414

التفسير الأثرى الجامع

بل المقصود التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا ! مثاله : ما إذا حضر عندك رجلان ، أحدهما عاقل وقور ثابت ، والآخر طائش مهذار سفيه ، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرّض بذمّ الآخر ، قلت : فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ، لا يخوض في التّرّهات ولا يسرح في السّفاهات . ولم يكن غرضك من قولك : « لا يخوض في التّرّهات والسّفاهات » وصفه بذلك ، لأنّ ما تقدّم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك ، بل غرضك التنبيه على مذمّة الثاني الّذي يأخذ في ترّهات الكلام . وكذا هاهنا قوله : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً بعد قوله : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ، الغرض منه التعريض بمن يسأل الناس ويلحف في مسألته ، لتبيّن الفرق البائن بين الجنسين ، ليستحقّ أحدهما المدح والآخر الذمّ « 1 » . [ 2 / 7802 ] أخرج ابن أبي حاتم عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ليس المسكين بالطوّاف الّذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، ولكن المسكين الّذي يتعفّف ولا يجد ما يغنيه ، ويستحي أن يسأل الناس ، ولا يفطن له فيتصدّق عليه » « 2 » . [ 2 / 7803 ] وأخرج ابن جرير عن أبي سعيد الخدري ، قال : أعوزنا مرّة ، فقيل لي : لو أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فسألته ! فانطلقت إليه معتفيا « 3 » ، فكان أوّل ما واجهني به : « من استعفّ أعفّه اللّه ، ومن استغنى أغناه اللّه ، ومن سألنا لم ندّخر عنه شيئا نجده » . قال : فراجعت نفسي وقلت : ألا أستعفّ فيعفّني اللّه ! فرجعت فما سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شيئا بعد ذلك من أمر حاجة حتّى مالت علينا الدنيا ، فغرقتنا إلّا من عصم اللّه « 4 » .

--> ( 1 ) التفسير الكبير 7 : 81 . ( 2 ) الدرّ 2 : 91 ؛ ابن أبي حاتم 2 : 541 / 2875 ؛ ابن كثير 1 : 332 ؛ الثعلبي 2 : 278 / 199 ؛ البغوي 1 : 378 / 321 ؛ مسند أحمد 1 : 384 و 446 و 2 : 505 - 506 ؛ مجمع الزوائد 3 : 92 ، باب في المسكين ، قال الهيثمي : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ؛ البخاري 5 : 164 ، كتاب التفسير ، عن أبي هريرة ؛ مسلم 3 : 95 - 96 كتاب الزكاة ، عن أبي هريرة ؛ أبو داود 1 : 368 / 1631 باب 24 ، عن أبي هريرة ؛ النسائي 6 : 306 / 11053 ، كتاب التفسير عن أبي هريرة ؛ القرطبي 3 : 342 . ( 3 ) اعتفى فلانا : أتاه يطلب معروفه . ( 4 ) الطبري 3 : 136 - 137 / 4876 ؛ الثعلبي 2 : 278 ؛ أبو الفتوح 4 : 92 ؛ أبو يعلى 2 : 455 - 456 / 293 - 1267 .