الشيخ محمد هادي معرفة

296

التفسير الأثرى الجامع

التجربة الأولى والآية الأولى تحكي حوارا بين إبراهيم عليه السّلام وملك في أيّامه يجادله في اللّه . قيل : هو نمروذ بن كوش من ولد حام بن نوح ، وكان ملكا جبّارا وهو الّذي بنى بابل بأرض شنعار . وكان إبراهيم بن تارح من ولد سام بن نوح . ولد إبراهيم بأرض « أور كلدان - شوش » وهاجر مع أبيه إلى أرض « حرّان » بلاد شنعار ( العراق ) « 1 » . فلعلّ نمروذ هذا هو الّذي جادل إبراهيم في ربّه « 2 » ، والقرآن لا يذكر اسمه ، لأنّ ذكر اسمه لا يزيد من العبرة الّتي تمثّلها الآية شيئا . وهذا الحوار يعرض على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعلى الجماعة المسلمة في أسلوب التعجيب من هذا المجادل ، وكأنّما مشهد الحوار يعاد عرضه من ثنايا التعبير القرآني العجيب : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ . ألم تر ؟ إنّه تعبير التشنيع والتفظيع ، وإنّ الإنكار والاستنكار لينطلقان من بنائه اللفظي وبنائه المعنوي سواء ، فالفعلة منكرة حقّا : أن يأتي الحجاج والمكابرة بسبب نعمة الملك ، الّتي أنعمها اللّه عليه بالذات ، وأن يدّعي عبد لنفسه ما هو من اختصاص الربّ المتعال ، وأن يستقلّ حاكم بحكمه الناس بهواه دون أن يستمدّ قانونه من اللّه ! ! إنّ هذا الملك لم يكن منكرا لوجود اللّه ولا كونه خالق الكون وبارئه ، إنّما أنكر وحدانيّته تعالى في الربوبيّة والتصريف في شؤون الحياة . ومن ثمّ ناقضه إبراهيم بقضيّة الموت والحياة : إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ . والإحياء والإماتة هما الظاهرتان المكرورتان في كلّ لحظة ، المعروضتان لحسّ الإنسان وعقله . وهما - في الوقت نفسه - السرّ الّذي يحير ، والّذي يلجئ الإدراك البشري إلجاء إلى مصدر آخر غير بشري . ولا بدّ من الالتجاء إلى الألوهيّة القاهرة ، القادرة على الإنشاء والإفناء ، لحلّ هذا اللغز الّذي يعجز عنه كلّ الأحياء . إنّنا لا نعرف شيئا عن حقيقة الحياة وحقيقة الموت ، حتّى اللحظة الحاضرة ، ولكنّنا ندرك

--> ( 1 ) راجع : سفر التكوين - الأصحاح 10 - 11 . ( 2 ) حسبما جاء في الروايات الإسلاميّة .