الشيخ محمد هادي معرفة

297

التفسير الأثرى الجامع

مظاهرهما في الأحياء والأموات . وليس لنا سوى إيكال مصدر الحياة والموت إلى قوّة ليست من القوى - الّتي ينتابها الموت والحياة - على الإطلاق ، قوّة اللّه وحده لا شريك له . ومن ثمّ عرّف إبراهيم ربّه بالصفة الّتي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد ، وكان إبراهيم عنى من الإحياء والإماتة إنشاء هاتين الحقيقتين إنشاء . فذلك عمل الربّ المتفرّد به . لكنّ الملك تعامى أو تغافل ، وحسب من قدرته على إنفاذ أمره في الناس بالحياة - أي بإبقائها فيمن يشاء - والموت بقتل من يريد ، فحسب من نفسه بذلك مظهرا من مظاهر الربوبيّة ، فقال لإبراهيم : أنا سيّد هؤلاء القوم ، وأنا المتصرّف في شؤونهم وأقضي لمن شئت بالموت أو الحياة ، و قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ إحياء بالإبقاء ، وإماتة بالإهلاك . عند ذلك رأى إبراهيم أن لا يخوض مغالطة فاضحة ، أساسها على الجدل والمراء ، وقد لا تنتهي إلى شيء . ما دام أمرها يعود إلى سرّ خفيّ غير ملموس ولا مشهود . وعندئذ عدل عن تلك السنّة الكونيّة الخفيّة ، وعمد إلى سنّة أخرى ظاهرة مرئيّة ، وقال : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ . يعني : إن كانت لك يد في تدبير هذا الكون ، فاعمد - ولو لحظة - إلى تغيير مسيرة الشمس . فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ولم يحر جوابا . حيث لم يجد مجالا للجدل والمغالطة في أمر محسوس مشاهد . وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ممّن عتا واستكبر وحاول كفران نعم اللّه ، فإنّ اللّه تعالى سوف يخذله ولا يفيض عليه بنصره وعنايته ، تلك العناية الّذي يبذلها لأولئك الصلحاء من عباده المؤمنين . إذن فالكافر بنعم اللّه ، ليس ظلم ربّه لوحده بهذا الكفران ، بل وظلم نفسه وخسر خسرانا مبينا . [ 2 / 7529 ] أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمّد بن إسحاق ، قال - في قوله تعالى : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - : أي لا يهديهم في الحجّة عند الخصومة ، لما هم عليه من الضلالة « 1 » .

--> ( 1 ) الطبري 3 : 39 / 4590 ؛ ابن أبي حاتم 2 : 499 / 2640 .