الشيخ محمد هادي معرفة

286

التفسير الأثرى الجامع

قال ابن كثير : ليس هذا من الإكراه على الدين ، فإنّه لم يكرهه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على الإسلام ، بل دعاه إليه ( أي عرض عليه الإسلام ) فأخبره الرجل أنّ نفسه كارهة له وليست قابلة ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أسلم وإن كنت - [ في نفسك ] - كارها ، فإنّ اللّه سيرزقك حسن النيّة والإخلاص « 1 » . والشيء الأغرب ما زعمه بعضهم من أنّ الآية منسوخة بآية السيف ! هكذا زعم ابن زيد « 2 » ونسب إلى عكرمة « 3 » وغيره أيضا « 4 » . قوله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى . . . وفي هذا البيان زيادة إيضاح وتحديد لحقيقة الإيمان وصدق النيّة والإخلاص ، والّتي بها النجاح والفلاح في نهاية المطاف ! . والطاغوت - كما يأتي بيانه - صيغة مبالغة من الطغيان ، تفيد : كلّ ما يطغى على الوعي ، ويجور على الحقّ ، ويتجاوز الحدود الّتي رسمها اللّه للعباد ، ولا يكون له ضابط من العقيدة في اللّه ، ومن الشريعة الّتي يسنّها اللّه . ومنه كلّ منهج غير مستمدّ من اللّه ، وكلّ تصوّر أو وضع أو أدب أو تقليد لا يستمدّ من اللّه . فمن يكفر بهذا كلّه وفي كلّ صورة من صوره ، ويؤمن باللّه وحده ، ويستمدّ في مسيرته في الحياة من اللّه وحده ، فقد أفلح ونجا وأسعدته الحياة ، وتتمثّل نجاته وفلاحه في استمساكه بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، فيظلّ آمنا مطمئنّا في طول مسيرته طول الحياة . إنّ الإيمان باللّه عروة وثيقة لا تنفصم أبدا ، إنّها متينة لا تنقطع ، ولا يضلّ الممسك بها طريق النجاة . والإيمان في حقيقته اهتداء إلى الحقيقة الأولى الّتي تقوم بها سائر الحقائق في هذا الوجود . حقيقة اللّه ، واهتداء إلى حقيقة الناموس الّذي سنّه اللّه لهذا الوجود ، وقام به هذا الوجود . فالّذي يمسك بعروته يمضي على هدى من ربّه ، فلا يرتطم ولا يتخلّف ولا تتفرّق به السبل ولا يذهب به الشرور والضلال .

--> ( 1 ) ابن كثير 1 : 319 . ( 2 ) الطبري 3 : 24 ؛ الثعلبي 2 : 234 . ( 3 ) ابن أبي حاتم : 2 : 494 ؛ البغوي 1 : 350 . ( 4 ) مجمع البيان 2 : 163 ؛ التبيان 2 : 311 ؛ القرطبي 3 : 280 .