الشيخ محمد هادي معرفة
279
التفسير الأثرى الجامع
لم يحمل الإسلام السيف إذن ليكره الناس على اقتناعهم عقيدة ، ولم ينتشر بالسيف على هذا المعنى ، كما يريد بعض أعدائه أن يتّهموه ، إنّما جاهد ليقيم نظاما آمنا يأمن في ظلّه أصحاب العقائد جميعا ، ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته . وكانت قوّة الإسلام ضروريّة لوجوده وانتشاره وإمكان بقائه واستمراره ، ليطمئنّ أهله على عقيدتهم واطمئنان من يريدون اعتناقه على أنفسهم ، وإقامة هذا النظام الصالح وحمايته . ولم يكن الجهاد أداة قليلة الأهمّيّة ، ولا معدومة الضرورة في حاضره ومستقبله ، كما يريد أخبث أعدائه أن يوحوا للمسلمين . لا بدّ للإسلام من نظام ، ولا بدّ للإسلام من قوّة ، ولا بدّ للإسلام من جهاد . فهذه طبيعته الّتي لا يقوم بدونها إسلام يعيش ويقود . لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، نعم ، ولكن : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ « 1 » . وهذا هو قوام الأمر في نظر الإسلام . وهكذا ينبغي أن يعرف المسلمون حقيقة دينهم ، وحقيقة تاريخهم ، فلا يقفوا بدينهم موقف المتّهم الّذي يحاول الدفاع ، إنّما يقفون به دائما موقف المطمئنّ الواثق المستعلي على تصوّرات الأرض جميعا ، وعلى نظم الأرض جميعا ، وعلى مذاهب الأرض جميعا « 2 » . وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 3 » . بل فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ « 4 » . * * * وإليك ما ورد بشأن نزول الآية ، ينبئك عن رصانة هذا المبدأ الإسلامي العريق : [ 2 / 7490 ] روي عن ابن عبّاس - بشأن نزول الآية - أنّ رجلا من الأنصار يقال له : الحصين ، من بني سالم بن عوف ، تنصّر ابنان له وذهبا إلى الشام قبل ظهور الإسلام . فجاءا في نفر من النصارى
--> ( 1 ) الأنفال 8 : 60 . ( 2 ) في ظلال القرآن 1 : 429 - 433 . ( اقتباس ) . وراجع : السّلام العالمي في الإسلام - لسيّد قطب . وكتاب الجهاد لأبي عليّ المودوديّ وغيرهما من أعلام . ( 3 ) آل عمران 3 : 139 . ( 4 ) محمّد 47 : 35 .