الشيخ محمد هادي معرفة
278
التفسير الأثرى الجامع
هذا هو منطق القرآن بشأن مشروعيّة الجهاد ، في سبيل الدفاع عن كرامة الإنسان ، والدفاع عن حرّيّته ، والدفاع عن عقيدته والدفاع عن حقوقه المهضومة ، الّتي اغتصبها أصحاب الاستكبار والاستثمار ، أصحاب الاستعمار والاستغلال ، أصحاب استضعاف الشعوب واستئصالهم . هذا هو شأن الجهاد في الإسلام دفاعا عن كيان الإنسان ذاته . جاهد الإسلام ليدفع عن المؤمنين الأذى والفتنة الّتي كانوا يسامونها ، وليكفل لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم ، وقرّر ذلك المبدأ العظيم : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ . جاهد الإسلام لتقرير حرّيّة الدعوة - بعد تقرير حرّيّة العقيدة ، فقد جاء الإسلام بأكمل تصوّر للوجود وللحياة ، وبأرقى نظام لتطوير الحياة . جاء بهذا الخير ليهديه إلى البشريّة كلّها ، يبلّغه إلى أسماعها وإلى قلوبها . فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ولا إكراه في الدين . ولكن ينبغي قبل ذلك أن تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافّة ، كما جاء من عند اللّه للناس كافّة . وأن تزول الحواجز الّتي تمنع الناس أن يسمعوا وأن يقتنعوا وأن ينضمّوا إلى موكب الهدى إذا أرادوا . ومن هذه الحواجز أن تكون هناك نظم طاغية في الأرض تصدّ الناس عن الاستماع إلى الهدى وتفتن المهتدين أيضا . فجاهد الإسلام ليحطّم هذه النظم الطاغية ، وليقيم مكانها نظاما عادلا يكفل حرّيّة الدعوة إلى الحقّ في كلّ مكان وحرّيّة الدعاة . وما يزال هذا الهدف قائما ، وما يزال الجهاد مفروضا على المسلمين ليبلّغوه إن كانوا مسلمين ! جاهد الإسلام ليقيم في الأرض نظامه الخاصّ ويقرّره ويحميه . وهو وحده النظام الّذي يحقّق حرّيّة الإنسان تجاه أخيه الإنسان ، حينما يقرّر أنّ هناك عبوديّة واحدة للّه الكبير المتعال ، ويلغي من الأرض عبوديّة البشر للبشر في جميع أشكالها وصورها ! جاهد الإسلام ليقيم هذا النظام الرفيع في الأرض ويقرّره ويحميه . وكان من حقّه أن يجاهد ليحطّم النظم الباغية الّتي تقوم على عبوديّة البشر للبشر ! وما يزال هذا الجهاد لإقامة هذا النظام الرفيع مفروضا على المسلمين حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ « 1 » .
--> ( 1 ) الأنفال 8 : 39 .