الشيخ محمد هادي معرفة

270

التفسير الأثرى الجامع

وقالوا : غير جائز أن يخلو منه مكان ، ولا معنى لوصفه تعالى بعلوّ المكان ، لأنّ ذلك وصفه بأنّه في مكان دون مكان . وقال آخرون : معنى ذلك : وهو العليّ على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه ، لأنّه - تعالى ذكره - فوق جميع خلقه ، وخلقه دونه ، كما وصف به نفسه أنّه على العرش ، فهو عال بذلك عليهم . قال : وكذلك اختلفوا في معنى قوله : الْعَظِيمُ . فقال بعضهم : معنى العظيم في هذا الموضع : المعظّم ، صرف المفعل إلى فعيل ، كما قيل للخمر المعتقة : خمر عتيق ، كما قال الشاعر : وكأنّ الخمر العتيق من الإسفنط ممزوجة بماء زلال وإنّما هي معتقة . قالوا : فقوله : « عظيم » ، معناه : المعظّم الّذي يعظّمه خلقه ويهابونه ويتّقونه . قالوا : وإنّما يحتمل قول القائل : « هو عظيم » أحد معنيين : أحدهما ما وصفنا من أنّه معظّم . والآخر : أنّه عظيم في المساحة والوزن . قالوا : وفي بطلان القول بأن يكون معنى ذلك أنّه عظيم في المساحة والوزن ، صحّة القول بما قلناه . وقال آخرون : بل تأويل قوله : الْعَظِيمُ هو أنّ له عظمة هي له صفة ، وقالوا : لا نصف عظمته بكيفيّة ، ولكنّا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات وننفي عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد ، لأنّ ذلك تشبيه له بخلقه ، وليس كذلك . وأنكر هؤلاء ما قاله أهل المقالة الّتي قدّمنا ذكرها ، وقالوا : لو كان معنى ذلك أنّه معظّم ، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل أن يخلق الخلق ، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الخلق ، لأنّه لا معظّم له في هذه الأحوال . وقال آخرون : بل قوله : إنّه العظيم ، وصف منه نفسه بالعظم ، وقالوا : كلّ ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر ، لصغرهم عن عظمته « 1 » .

--> ( 1 ) الطبري 3 : 20 .