الشيخ محمد هادي معرفة
271
التفسير الأثرى الجامع
قال تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 256 إلى 257 ] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 ) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 257 ) وبعد أن تمّ الكلام عن التصوّر الإيماني ، في أدقّ جوانبها ، وبيان صفة اللّه وعلاقة الخلق به ، بذلك البيان الواضح المنير ، ينتقل الكلام إلى إيضاح طريق المؤمنين ، وهم يحملون هذا التصوّر ، ويقومون بهذه الدعوة ، وينهضون بواجب القيادة البشريّة التائهة في غياهب الضلال . لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ . إنّ قضيّة العقيدة والإيمان ، كما جاء بها هذا الدين الحنيف ، قضيّة اقتناع بعد البيان والإدراك ، وليست قضيّة إكراه وقهر وإجبار . إذ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فقد جاء هذا الدين ليخاطب الإدراك البشري بكلّ قواه وطاقاته ، يخاطب العقل المفكّر ، والبداهة الناطقة ، ويخاطب الوجدان المنفعل ، كما يخاطب الفطرة المستكنّة . يخاطب الكيان البشري بكلّ جوانبه ، في غير قهر ولا إجبار ، بل في وضح من البرهان ، اللّائح الساطع البيان . بل لا يواجهه حتّى بالخوارق المادّيّة الّتي قد تلجئ مشاهدها إلجاء إلى الإذعان « 1 » ، ولكن وعيه لا يتدبّرها وإدراكه لا يتعقّلها ، لأنّها فوق الوعي والإدراك . وإذا كان هذا الدين لا يواجه الحسّ البشري بالخارقة المادّيّة القاهرة ، فهو من باب أولى لا يواجهه بالقوّة والإكراه ليعتنق هذا الدين تحت تأثير التهديد أو مزاولة الضغط القاهر والإكراه بلا بيان ولا إقناع ولا اقتناع .
--> ( 1 ) إشارة إلى حادث نتوق الجبل - حسبما فسّره بعضهم - لغرض إلجاء بني إسرائيل إلى الإذعان بشرائع الدين ! لكنّا قد فنّدنا هذا الرأي : ( التمهيد 7 : 90 - 94 ) .