الشيخ محمد هادي معرفة

172

التفسير الأثرى الجامع

أحسّوا به ، فمرّوا بمدينة خربة باد أهلها على أثر الوباء ، فنزلوا بها وحطّوا رحالهم فلمّا اطمأنّوا بها جاءتهم البليّة من حيث لم يحتسبوا فأماتتهم جميعا ، فصاروا عظاما وهبّت عليهم الريّاح « 1 » . قلت : ولعلّه كان على ممرّ العرب في رحلتهم الصيفيّة ، فكانوا قد وقفوا على مرّ الحادثة ! وعلى أيّة حال ، ليس بالمهمّ أن نعرف شخصيّة القوم الّذين هربوا من الموت . إنّما العمدة أنّها عبرة وعظة ينبغي التوجّه إلى مغزاها ، إنّما يراد هنا تصحيح التصوّر عن الموت والحياة وأسبابهما الظاهرة وحقيقتها المضمرة ، وردّ الأمر فيهما إلى القدرة المدبّرة ، والاطمئنان إلى قدر اللّه في الحياة ، فالمقدّر كائن ، والموت والحياة بيد اللّه في نهاية المطاف ، نعم إنّ للإنسان سعيه في المضيّ على تعهّداته في الحياة والتكاليف والواجبات المفروضة عليه ، من دون هلع ولا جزع ، والأمر إلى اللّه . إنّ الفزع والهلع ، من غير رويّة ولا دراية ، لا يزيدان حياة ولا يردّان قضاء « 2 » ، وإنّ اللّه هو واهب الحياة ، وهو آخذ الحياة ، وإنّه متفضّل في الحالتين : حين يهب وحين يستردّ ، والحكمة الإلهيّة الكبرى كامنة خلف الهبة والاسترداد ، وإنّ مصالح الناس متحقّقة في هذا وذاك ، وإنّ فضل اللّه عليهم متواجدة في الأخذ والمنح سواء : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ . إذن فلا موقع للتخلّي عن فريضة الجهاد في سبيل اللّه ، الّذي فيه حياة الأمّة وحياة الشريعة والدّين . وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ بما في قلوبكم . * * * هذا والجهاد في سبيل اللّه بذل وتضحية ، ولا سيّما في تلك الفترة ، حيث كان الجهاد تطوّعا ، والمجاهد ينفق على نفسه ، وقد يقعد به المال حين لا يقعد به الجهد ، فلم يكن بدّ من الحثّ المستمرّ على الإنفاق - من قبل أهل الثراء - لتيسير الطريق للمجاهدين . وهنا تجيء الدعوة إلى الإنفاق - وأنّه إيداع المال حيث ينمو ولا يذهب ضياعا - دعوة موحية دافعة :

--> ( 1 ) الكافي 8 : 198 - 199 / 237 . وسيأتي تفصيل الحديث . ( 2 ) قال أبو الطيّب : يرى الجبناء أنّ الجبن حزم * وتلك خديعة الطبع اللئيم