الشيخ محمد هادي معرفة

573

التفسير الأثرى الجامع

جانبه الذاتي - الموافق لنظام الطبيعة - كان وفق قضاء اللّه وقدره . وأمّا من جوانب أخر ومنها مساءة العبد للموت ، فيمكن أن يكره ، فلا تنافي بين تلك الإرادة ذاتيّا وهذه الكراهة الجانبيّة عرضا . . « 1 » وذكر أخيرا : أنّه تعالى قد ينسب إلى نفسه ما لعبده من صفة أو عمل ، فيجعل رضاه رضاه وسخطه سخطه فهو تعالى رضي بموت هذا العبد وفق قضائه المبرم ، لكنّه جعل كراهة عبده كراهة له فقد رضي تعالى رضا ذاتيّا ، وكره لكراهة عبده المؤمن عرضيّا . « 2 » إرادة تكوينيّة وإرادة تشريعيّة اصطلح أهل الفنّ على تسمية إرادة اللّه المتعلّقة بتكوين شيء بالإرادة التكوينيّة ، وتسمية طلبه لأمر بالإرادة التشريعيّة ، وهذا يشكّل طرفا من مباحث « الطلب والإرادة » في علم الأصول . فمن الأوّل قوله تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 3 » . قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً « 4 » وهي إرادة لا مردّ لها كما قال تعالى : وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ « 5 » . ومن الثاني قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 6 » أي أراد بتشريعاته السهلة السمحة اليسر بكم في حياة سعيدة ميسّرة ، لا الحياة الضنك التعيسة . وهذه الإرادة التشريعيّة تعلّقت بفعل المكلّفين عن اختيارهم إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 7 » . أي أرشدناه إلى معالم السعادة في الحياة ، فإمّا يترحّب بها ويعمل على هديها ، شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 8 » . أو يرفضها وينبذها وراء ظهره ويتّبع خطوات الشيطان وبذلك يسلك سبيل الكفران ، كفران النعم ، ويكون مآله الضلال والخسران في نهاية المطاف . وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ « 9 » .

--> ( 1 ) المصدر : 128 . ( 2 ) المصدر : 130 . ( 3 ) يس 36 : 82 . ( 4 ) الأحزاب 33 : 17 . ( 5 ) الرعد 13 : 11 . ( 6 ) البقرة 2 : 185 . ( 7 ) الإنسان 76 : 3 . ( 8 ) النحل 16 : 121 . ( 9 ) البقرة 2 : 257 .