الشيخ محمد هادي معرفة

574

التفسير الأثرى الجامع

أمّا الإرادة التكوينيّة فلا يتخلّف عنها المراد ، ما أراد اللّه كان وما لم يرد لم يكن : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » . بل لا حاجة إلى قولة « كن » وإنّما هي تقدير . وبعبارة فنّيّة : إنّ نفس إرادته تعالى لتكوين شيء كافية في تحقّقه وجودا . والأمر في قوله « كن » أمر تكويني أيضا ، حيث إرادته تعالى هو فعله ، كما عرفت . [ 2 / 3129 ] وفي حديث الإمام أبي الحسن الرضا عليه السّلام في قوله تعالى : كُنْ فَيَكُونُ قال : « كُنْ منه صنع ، وما يكون به [ هو ] المصنوع » . « 2 » * * * والتفكيك بين الإرادتين شيء معروف في أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم السّلام ، منها : [ 2 / 3130 ] ما رواه الصدوق بإسناده عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام قال : « إنّ للّه إرادتين ومشيئتين ، إرادة حتم وإرادة عزم » . ثمّ شرح عليه السّلام الثانية بقوله : « ينهى وهو يشاء » أي يشاء أن يقع ، وإن كان نهى عنه - في الظاهر - أن لا يقع . فنهيه نهي تشريع ، أمّا مشيئته فمشيئة تكوين . وقد مثّل له الإمام عليه السّلام بنهي آدم عن الأكل من الشجرة ، وقد كانت المصلحة تستدعي الأكل منها ، حيث خلق آدم ليعيش على الأرض ليعمرها ويكون خليفة اللّه فيها . فقد تخلّفت إرادته تعالى التشريعيّة عن إرادته التكوينيّة . ثمّ قال عليه السّلام : « ويأمر وهو لا يشاء » . ومثّل بأمره تعالى إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليهما السّلام حيث تخلّف التشريع عن التكوين . « 3 » قال أبو جعفر الصدوق رحمه اللّه : إنّ اللّه تعالى نهى آدم وزوجه أن يأكلا من الشجرة ، وقد علم أنّهما يأكلان منها ، لكنّه تعالى شاء أن لا يحول بينهما وبين الأكل منها بالجبر والقهر ، كما منعهما من الأكل منها بالنهي والزجر . فهذا معنى مشيئته تعالى فيهما . ولو شاء منعهما من الأكل قهرا ثمّ أكلا منها لكانت مشيئتهما قد غلبت مشيئة اللّه ، تعالى اللّه عن ذلك . « 4 »

--> ( 1 ) النحل 16 : 40 . ( 2 ) عيون الأخبار 1 : 154 ، باب 12 ( في كيفيّة الخلق الأوّل ) ؛ التوحيد : 436 ، باب 65 ؛ البحار 10 : 314 / 1 ، باب 19 . ( 3 ) التوحيد : 64 / 18 في خبر طويل ؛ البحار 4 : 139 / 5 ؛ الكافي 1 : 151 ؛ مرآة العقول 2 : 161 . ( 4 ) التوحيد : 65 - 66 .