الشيخ محمد هادي معرفة

499

التفسير الأثرى الجامع

لأنّ أصحاب تلك المزعومة استدلّوا لإمكان المسألة بجانب الوقوع « 1 » زاعمين صحّة تلكم الروايات ومن ثمّ حاولوا علاجها بهذا الأسلوب الغريب . وقد كانت قواعد الفنّ تقضي برفض أمثال تلكم الروايات التي تمسّ كرامة القرآن أوّلا ، وتنافي جانب ضرورة ثبوت القرآن في جميع آية بالتواتر دون أخبار الآحاد ثانيا ، وقد قيل في المثل : ثبّت العرش ثمّ انقش ! * * * وقد تنبّه لضحالة هذه المزعومة الغريبة بعض كتّاب العصر ، هو الأستاذ العريض - حسبما تقدّم - ناقما وناقدا لها نقدا حكيما . قال : وذهبت طائفة من العلماء إلى إنكار هذا النوع من النسخ وعدم وقوعه في كتاب اللّه - عزّ وجلّ - لأنّه عيب لا يليق بالشارع الحكيم ، لأنّه من التصرّفات التي لا تعقل لها فائدة ، ولا حاجة إليها ، وتنافي حكمة الحكيم . قال : والحقّ يقال إنّ هذا النوع من النسخ وإن كان جائزا عقلا ولكنّه لم يقع في كتاب اللّه - عزّ وجلّ - لأنّ هذه الروايات روايات آحاد ، والقرآن الكريم لا يثبت بروايات الآحاد مهما كانت مكانة قائلها ، ولا بدّ فيه من التواتر ، كما أجمع عليه العلماء قديما وحديثا . ولو أنّه صحّ ما قالوه لاشتهر بين الصحابة جميعا ، ولحفظه كثير منهم أو كتبوه في مصاحفهم . ولكن لم يرد شيء عن غير هؤلاء الرواة . فلا يمكن القطع بأنّ هذه الآيات التي ذكروها كانت مسطورة في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وفي صحف كتّاب الوحي ثمّ نسخت بعد ذلك ورفعت من المصحف - كما رواه بعض الصحابة - وبقي حكمها للعمل به . وأيضا فإنّ الحكم لا يثبت إلّا من طريق النصّ ، فزوال النصّ مقتض لزوال الحكم ، ولم يظهر لزوال النصّ وحده حكمة من عمل الحكيم لأنّ الحكم ما زال قائما لم ينسخ ، فأيّ فائدة في نسخ تلاوته ؟ قال : ولعلّ ما قاله عمر بن الخطّاب : « إنّا كنّا نقرأ في كتاب اللّه . . . » الكتب التي كان يحفظها هو وغيره ، من باب المبالغة في تشبيه الأحكام التي قالها الرسول بالآيات القرآنية ، لأنّ كلّا من السنّة الصحيحة والقرآن الكريم واجب الطاعة . وقد كان من الصحابة من يكتب الحديث ليحفظه حتّى نهى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن كتابة ما ليس بقرآن ، إلّا ما كان في صحيفة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، وهنا نستطيع أن نقول : بأنّ هذه الآية التي قالها عمر كانت أحكاما حفظها عن الرسول بألفاظ

--> ( 1 ) راجع : مناهل العرفان 2 : 215 - 216 .