الشيخ محمد هادي معرفة
490
التفسير الأثرى الجامع
كتاب اللّه ورعيناها . وقال أبيّ بن كعب : إنّ سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة أو أطول منها ! ! قال : والشافعي ، لا يظنّ به موافقة هؤلاء في هذا القول ، ولكنّه استدلّ بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات « 1 » ؛ فإنّه صحّح ما يروى عن عائشة وأنّ ممّا أنزل في القرآن « عشر رضعات معلومات يحرّمن » فنسخن بخمس رضعات معلومات ، وكان ذلك ممّا يتلى في القرآن بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . قال : والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . ومعلوم أنّه ليس المراد الحفظ لديه تعالى ، فإنّه يتعالى من أن يوصف بالغفلة أو النسيان ، فعرفنا أنّ المراد الحفظ لدينا . . . وقد ثبت أنّه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ولو جوّزنا هذا في بعض ما أوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه ، فيؤدّي ذلك إلى القول بأن لا يبقى شيء ممّا ثبت بالوحي بين الناس ، في حال بقاء التكليف ! وأيّ شيء أقبح من هذا ؟ ! ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما بأيدينا اليوم أو كلّه مخالف لشريعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأن نسخ اللّه ذلك بعده ، وألّف بين قلوب الناس ، على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته ! فلصيانة الدين إلى آخر الدهر ، أخبر اللّه تعالى أنّه هو الحافظ لما أنزله على رسوله . وبه يتبيّن أنّه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته . وما ينقل من أخبار الآحاد شاذّ لا يكاد يصحّ شيء منها . قال : وحديث عائشة لا يكاد يصحّ ، لأنّه ( أي الراوي ) قال في ذلك الحديث : وكانت الصحيفة تحت السرير ، فاشتغلنا بدفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فدخل داجن البيت فأكله ! ومعلوم أنّ بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب ، ولا يتعذّر عليهم إثباته في صحيفة أخرى ! فعرفنا أنّه لا أصل لهذا الحديث . « 2 » قلت : في كلام هذا المحقّق كفاية في إبطال هذا الزعم ، وأن لا حجّية في خبر واحد في هذا الشأن ، ولا سيّما جانب مساسه بكرامة القرآن ، واستلزام التلاعب بآية الكريمة ، بعد وفاته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . الأمر الذي تبطله آية الحفظ وضمانه تعالى في حفظ كتابه من التحريف والزيادة والنقص ، لأنّه كلامه المجيد ، يجب أن يبقى معجزه خالدة ترافق الإسلام عبر الأبد . قال الجزيري - ردّا على الزعم المذكور - : إنّ المسلمين قد أجمعوا على أنّ القرآن هو ما تواتر
--> ( 1 ) وهكذا استدلّ أبو محمّد بن حزم بذلك في المحلّى 10 : 15 . ( 2 ) أصول السرخسي 2 : 78 - 80 .