الشيخ محمد هادي معرفة
409
التفسير الأثرى الجامع
كان عدوّا لجبريل ، فإنّه معاد للّه ومعارض لرسالة اللّه في الأرض . مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ حيث كان العداء مع رسل اللّه عداء مع اللّه وهو في حدّ الكفر باللّه واللّه عدوّ للكافرين . ثمّ يتّجه الخطاب إلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يثبّته على موضع رسالته ، وأن سوف يظهره على الدين كلّه . ويريه الناس كيف يدخلون في دين اللّه أفواجا وأن لا موضع للمعارض سوى الشذوذ والانفراد عن ركب جماعة الناس . وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ . وما هذا الشذوذ والانحراف عن جادّة الحقّ ، سوى امتداد لمنهجهم الملتوي في سائر عهودهم والمواثيق . أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . فقد أخلفوا ميثاقهم مع اللّه في سفح الجبل ، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد . وأخيرا نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أوّل مقدمه إلى المدينة ، وهو العهد الّذي وادعهم فيه بشروط معيّنة « 1 » ، بينما كانوا هم أوّل من أعان عليه أعداءه ، وأوّل من عاب دينه ، وحاول بثّ الفرقة والفتنة في صفوف المسلمين ، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه . وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وكان هذا من أبرز مظاهر النقض فقد كان عليهم أن يؤمنوا بكلّ رسول يعرفونه رسولا من عند اللّه وينصروه ويؤازروه ولكنّهم على العكس نابذوا رسول الإسلام وعادوه ، في حين أنّهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . نعم جاءهم كتاب يتوافق مع أسس الشرائع السالفة - دليلا على صدقه - لكنّهم رغم عرفانهم له نبذوه وراء ظهورهم ، على غرار جهلة المشركين . وفي هذا التعبير نكاية بهم وسخريّة خفيّة بموضعهم الشنئ ، إنّهم حسب زعمهم أهل كتاب وعرفان ولكنّهم بصنيعهم هذه البشعة ساووا جيرانهم المشركين الّذين هم أمّيّون لا علم لهم ولا كتاب .
--> ( 1 ) وسيوافيك نصّ المعاهدة ، نقلا من السيرة لابن هشام 2 : 147 - 150 .