الشيخ محمد هادي معرفة

403

التفسير الأثرى الجامع

إضافة الجنايات التي يجنيها الناس إلى أيديهم حتّى أضيف كلّ ما عوقب عليه الإنسان ممّا جناه بسائر أعضاء جسده إلى أنّها عقوبة على ما جنته يده ؛ فلذلك قال - جلّ ثناؤه - للعرب : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني به : ولن يتمنّى اليهود الموت بما قدّموا أمامهم من حياتهم من كفرهم باللّه في مخالفتهم أمره وطاعته في اتّباع محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وما جاء به من عند اللّه ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ، ويعلمون أنّه نبيّ مبعوث . فأضاف - جلّ ثناؤه - ما انطوت عليه قلوبهم وأضمرته أنفسهم ونطقت به ألسنتهم من حسد محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والبغي عليه ، وتكذيبه ، وجحود رسالته إلى أيديهم ، وأنّه مما قدّمته أيديهم . لعلم العرب معنى ذلك في منطقها وكلامها ، إذ كان - جلّ ثناؤه - إنّما أنزل القرآن بلسانها وبلغتها . [ 2 / 2747 ] وروي عن ابن عبّاس في ذلك ما رواه أبو روق ، عن الضحّاك عن ابن عبّاس في قوله : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يقول : بما أسلفت أيديهم . [ 2 / 2748 ] وعن ابن جريج في قوله : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ قال : إنّهم عرفوا أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نبيّ فكتموه . * * * وأمّا قوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فإنّه يعني - جلّ ثناؤه - : واللّه ذو علم بظلمة بني آدم : يهودها ونصاراها وسائر أهل الملل غيرها ، وما يعملون . وظلم اليهود وكفرهم باللّه في خلافهم أمره وطاعته في اتّباع محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد أن كانوا يستفتحون به وبمبعثه ، وجحودهم نبوّته وهم عالمون أنّه نبيّ اللّه ورسوله إليهم . « 1 » [ 2 / 2749 ] وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عبّاس في هذه الآية قال : قل لهم يا محمّد : إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ يعني الجنّة كما زعمتم خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ يعني المؤمنين فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنّها لكم خالصة من دون المؤمنين فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن كنتم في مقالتكم صادقين ، قولوا : اللّهم أمتنا . فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلّا غصّ بريقه فمات مكانه » ، فأبوا أن يفعلوا وكرهوا ما قال لهم ، فنزل وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني عملته

--> ( 1 ) الطبري 1 : 596 - 599 .