الشيخ محمد هادي معرفة

402

التفسير الأثرى الجامع

وأمّا قوله : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فإنّ تأويله : تشهّوه وأريدوه . وقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال في تأويله : « فسلوا الموت » ولا يعرف التمنّي بمعنى المسألة في كلام العرب ، ولكن أحسب أنّ ابن عبّاس وجّه معنى الأمنيّة إذ كانت محبّة النفس وشهوتها إلى معنى الرغبة والمسألة ، إذ كانت المسألة هي رغبة السائل إلى اللّه فيما سأله . [ 2 / 2743 ] وروى أبو روق ، عن الضحّاك عن ابن عبّاس في قوله : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ قال : فسلوا الموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . * * * قال أبو جعفر : وأمّا قوله تعالى وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، فهو خبر من اللّه - جلّ ثناؤه - عن اليهود وكراهتهم الموت وامتناعهم عن الإجابة إلى ما دعوا إليه من تمنّي الموت ، لعلمهم بأنّهم إن فعلوا ذلك فالوعيد بهم نازل والموت بهم حالّ ، ولمعرفتهم بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه رسول من اللّه إليهم مرسل وهم به مكذّبون ، وأنّه لم يخبرهم خبرا إلّا كان حقّا كما أخبر ، فهم يحذرون أن يتمنّوا الموت خوفا أن يحلّ بهم عقاب اللّه بما كسبت أيديهم من الذنوب . [ 2 / 2744 ] فعن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عبّاس في قوله : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ الآية قال : أي ادعوا بالموت على أيّ الفريقين أكذب ، فأبوا ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . يقول اللّه لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي لعلمهم بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك . [ 2 / 2745 ] وعن أبي روق ، عن الضحّاك عن ابن عبّاس في قوله : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً يقول : يا محمّد ولن يتمنّوه أبدا لأنّهم يعلمون أنّهم كاذبون ، ولو كانوا صادقين لتمنّوه ورغبوا في التعجيل إلى كرامتي ، فليس يتمنّونه أبدا بما قدّمت أيديهم . [ 2 / 2746 ] وعن ابن جريج قال : وكانت اليهود أشدّ فرارا من الموت ، ولم يكونوا ليتمنّوه أبدا . وأمّا قوله : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فإنّه يعني به بما أسلفته أيديهم . وإنّما ذلك مثل على نحو ما تتمثّل به العرب في كلامها ، فتقول للرجل - يؤخذ بجريرة جرّها أو جناية جناها فيعاقب عليها - : نالك هذا بما جنت يداك ، وبما كسبت يداك ، وبما قدّمت يداك ؛ فتضيف ذلك إلى اليد ، ولعلّ الجناية التي جناها فاستحقّ عليها العقوبة كانت باللسان أو بالفرج أو بغير ذلك من أعضاء جسده سوى اليد . وإنّما قيل ذلك بإضافته إلى اليد ؛ لأنّ عظم جنايات الناس بأيديهم ، فجرى الكلام باستعمال