الشيخ محمد هادي معرفة
359
التفسير الأثرى الجامع
فراسة ينظر بنور اللّه على قدر إيمانه ومبلغ استبصاره وعلمه ، وقد جمع اللّه في الأئمّة - من أهل البيت - ما فرّقه في جميع المؤمنين ثمّ تلا قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ « 1 » . قال : فأوّل المتوسّمين هو رسول اللّه ثمّ أمير المؤمنين وولده الأئمّة من بعده » « 2 » . والأحاديث عن المعصومين بشأن عمود النور ، يجعل اللّه بينه وبينهم ، ينظر به إليهم وينظرون به إليه كثيرة ومتضافرة وهو كناية عن تلك البصيرة الوقّادة الّتي ينعم بها الخلّص من عباده الصالحين . وتتّسع آفاقها حسب مراتب الكمال ومبلغ الإيمان ، حتّى تبلغ أقصاها في الكمّلين . [ 2 / 2621 ] جاء في حديث صالح بن سهل مع الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام : « . . . إنّ اللّه جعل بينه وبين الإمام عمودا من نور ، ينظر اللّه به إلى الإمام ، وينظر الإمام به إليه . فإذا أراد الإمام أن يعلم شيئا نظر في ذلك النور فعرفه » « 3 » . قال العلّامة المجلسي : نظر اللّه تعالى إليه ، كناية عن إفاضاته تعالى عليه . ونظره إليه تعالى ، كناية عن غاية عرفانه « 4 » . [ 2 / 2622 ] ويتأيّد ذلك بما رواه الصفّار بالإسناد إلى إسحاق الحريري قال : كنت عند الإمام أبي عبد اللّه عليه السّلام فسمعته يقول : « إنّ للّه عمودا من نور ، حجبه اللّه عن سائر الخلق ، طرفه عند اللّه وطرفه الآخر في أذن الإمام ، فإذا أراد اللّه شيئا أوحاه في أذن الإمام » « 5 » . ولا غرابة فإنّ المؤمن محدّث أي ملهم من عند اللّه وفي رعايته تعالى ، فضلا عن أولئك الّذين بلغوا مرتبة الشهود ، ولمسوا حقائق الأشياء في قرب الحضور . وقد مرّ عليك كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام فيما حكاه من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم له : « . . . إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلّا أنّك لست بنبيّ » « 6 » . فالإمام المعصوم ، حيث بلغ أعلى مراتب الإيمان وصفى قلبه في أعلى مراتب الجلاء فقد بلغ
--> ( 1 ) الحجر 15 : 75 . والتوسّم : الفطنة والفراسة والذكاء البالغ . قال الراغب : وهو الذي سمّاه قوم الزكانة . وهي الفطنة والفراسة . والزكانة : إصابة الظنّ وصدقه . ( 2 ) العيون : 200 / 1 . ( 3 ) البصائر : 440 / 2 ، باب 12 . ( 4 ) البحار 26 : 135 / 10 . ( 5 ) البصائر : 439 / 1 ، باب 12 . والإيحاء هنا : نفث في القلوب . يقال : نفث اللّه الشيء في قلبه أي ألقاه . ونفث في روعي أو قلبي أي ألهمته . ( 6 ) نهج البلاغة 2 : 158 ، الخطبة القاصعة : 192 .