الشيخ محمد هادي معرفة
325
التفسير الأثرى الجامع
قوله تعالى : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ استفاضت الروايات عن السلف « 1 » بأنّ المراد من السيّئة هنا هو الشرك باللّه العظيم . ولعلّه نظرا لكون الخلود في النار لا يكون لمؤمن مهما اقترف السيّئات حيث الإيمان - المحتفظ به حتّى الموت - عمل قلبي فخيم ، ولا بدّ من المثوبة عليه ، ولا مثوبة حيث يتعقّبها الخلود في النار فلا بدّ أن تتأخّر عن معاقبته على ما ارتكبه من السيّئات . [ 2 / 2500 ] ومن ثمّ روى الثعلبي عن ابن عبّاس وغيره : أنّ المراد ، الشرك يموت عليه الرجل « 2 » . [ 2 / 2501 ] وعن السدّي والحسن أيضا : أنّها الكبيرة من الكبائر الموبقة « 3 » . [ 2 / 2502 ] وعن السدّي أيضا : أنّها الذنوب التي وعد اللّه عليها النار « 4 » . [ 2 / 2503 ] وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله تعالى : وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ قال : أحاط به شركه « 5 » . قال أبو جعفر الطوسي : والذي نقوله ، الذي يليق بمذهبنا ، أنّ المراد بذلك هو الشرك والكفر ، لأنّه الذي يستحقّ به الدخول في النار مؤبّدا ، ولا يجوز أن يكون مرادا به غيره . . قال : وهذا قول مجاهد . لأنّ ما عدا الشرك لا يستحقّ عندنا الخلود عليه في النار وقوله تعالى : وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ يقوّي ذلك ، لأنّ المعنى فيه : أن تكون خطاياه كلّها اشتملت عليه ، ولا يكون معه طاعة يستحقّ بها الثواب ، تشبيها بما أحاط بالشيء من كلّ وجه . ولو كان معه شيء من الطاعات ، لكان مستحقّا للثواب ، فلا يكون محاطا بالسيّئة . قال : لأنّ الإحباط عندنا باطل ، فلا يحتاج إلى مراعاة كثرة العقاب وقلّة الثواب . لأنّ قليل الثواب عندنا يثبت مع كثرة العقاب ، لما ثبت من بطلان التحابط بأدلّة العقل وليس هنا موضع ذكرها . . قال : ولأنّ الآية بعدها فيها وعد لأهل الإيمان بالثواب الدائم ،
--> ( 1 ) كما عن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة وعكرمة وأبي العالية وعطاء وابن جريج والضحّاك والربيع وأبي وائل والحسن ومقاتل بن سليمان . فيما رواه ابن أبي حاتم 1 : 157 . والطبري 1 : 543 . والثعلبي 1 : 226 . وأبو الفتوح 2 : 31 . والطوسي 1 : 325 ومجمع البيان 1 : 282 . وابن كثير 1 : 123 . ومقاتل 1 : 119 وغيرهم . ( 2 ) الثعلبي 1 : 226 ؛ الوسيط 1 : 165 . ( 3 ) ابن أبي حاتم 1 : 158 / 824 . ( 4 ) الطبري 1 : 543 / 1174 ؛ التبيان 1 : 325 ؛ مجمع البيان 1 : 281 . ( 5 ) ابن أبي حاتم 1 : 158 / 827 ؛ الدرّ 1 : 208 ؛ ابن كثير 1 : 123 .