الشيخ محمد هادي معرفة

256

التفسير الأثرى الجامع

وبمثل الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عبّاس : [ 2 / 2333 ] إنّه قال في قوله : نَكالًا يقول : عقوبة . [ 2 / 2334 ] وعن الربيع في قوله : فَجَعَلْناها نَكالًا قال : أي عقوبة « 1 » . * * * [ 2 / 2335 ] وقال أبو إسحاق الثعلبي في تفسير قوله تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ : وذلك أنّهم كانوا زمن داود عليه السّلام بأرض يقال لها : أيلة ، حرّم اللّه عليهم صيد السّمك يوم السبت ، فكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلّا اجتمع هناك حتّى يخرجن خراطيمهنّ من الماء لأمنها ، فإذا مضى السبت تفرّقن ولزمن البحر ، فذلك قوله تعالى : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها الأنهار ، فإذا كانت عشيّة الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا تطيق الخروج لبعد عمقها وقلّة الماء ، فإذا كان يوم الأحد أخذوها . وقيل : كانوا ينصبون الحبائل والشّصوص « 2 » يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد ، ففعلوا ذلك زمانا فكثرت أموالهم ولم تنزل عليهم عقوبة ، فقست قلوبهم وأصرّوا على الذّنب ، وقالوا : ما نرى السّبت إلّا قد أحلّ لنا ، فلمّا فعلوا ذلك صار أهل القرية - وكانوا سبعين ألفا - ثلاثة أصناف : صنف أمسك ونهى ، وصنف أمسك ولم ينه ، وصنف انتهك الحرمة ، وكان الّذين نهوا اثنا عشر ألفا ، فلمّا أبى المجرمون قبول نصحهم قال الناهون : واللّه لا نساكنكم في قرية واحدة ، فقسّموا القرية بجدار وغبروا بذلك سنتين ، فلعنهم داود وغضب اللّه - عزّ وجلّ - عليهم لإصرارهم على المعصية ، فخرج الناهون ذات يوم من بابهم والمجرمون لم يفتحوا أبوابهم ولا خرج منهم أحد ، فلمّا أبطئوا تسوّروا عليهم الحائط فإذا هم جميعا قردة ، فمكثوا ثلاثة أيّام ثمّ هلكوا ، ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيّام ولم يتوالدوا فذلك قوله عزّ وجلّ : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً أمر تحويل « 3 » .

--> ( 1 ) الطبري 1 : 469 - 475 ، بحذف وتلخيص . ( 2 ) الشصوص جمع الشّصّ : حديدة عقفاء يصاد بها السمك وتسمّى السنّارة . ( 3 ) كان الأمر بكونوا أمر تحويل وتبديل إلى صورة القرود .