الشيخ محمد هادي معرفة
228
التفسير الأثرى الجامع
ألمّا بسلمى عنكما إن عرضتما * وقولا لها عوجي على من تخلّفوا « 1 » فقال : تخلّفوا ، وجعل « من » بمنزلة الّذين . وقال الفرزدق : تعال فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان « 2 » فثنّى يصطحبان لمعنى « من » . فكذلك قوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وحّد آمن وعمل صالحا للفظ « من » وجمع ذكرهم في قوله : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ لمعناه ، لأنّه في معنى جمع . وأمّا قوله : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فإنّه يعني به جلّ ذكره : ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة ، ولا هم يحزنون على ما خلّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها ، عند معاينتهم ما أعدّ اللّه لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده « 3 » . * * * [ 2 / 2269 ] قال مقاتل بن سليمان في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا يعني اليهود وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ « وهم » قوم يصلّون للقبلة ، يقرءون الزبور ويعبدون الملائكة ، وذلك أنّ سلمان الفارسي كان من جندي سابور ، فأتى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأسلم وذكر سلمان أمر الراهب وأصحابه ، وأنّهم مجتهدون في دينهم يصلّون ويصومون ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : هم في النار فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - فيمن صدّق منهم بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبما جاء به إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدّقوا يعني أقرّوا وليسوا بمنافقين وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً يقول : من صدّق منهم باللّه - عزّ وجلّ - بأنّه واحد لا شريك له وصدّق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال بأنّه
--> ( 1 ) عرضتما : من قولهم : عرض الرجل ، إذا أتى العروض ، وهي مكّة والمدينة وما حولهما . ( 2 ) في الديوان : « تعش فإن واثقتني » والرواية المشهورة : « تعش فإن عاهدتني » . وكان الفرزدق قد اجتزر شاة ثمّ أعجله المسير فسار بها ، فجاء الذئب فحرّكها وهي مربوطة على بعير ، فأبصر الفرزدق الذئب وهو ينهشها ، فقطع رجل الشاة فرمى بها إليه . فأخذها وتنحّى ثمّ عاد . فقطع له اليد فرمى بها إليه . فلمّا أصبح القوم خبّرهم الفرزدق . والبيت في كتاب سيبويه ( 2 : 416 ) . ( 3 ) الطبري 1 : 456 - 458 .