الشيخ محمد هادي معرفة
170
التفسير الأثرى الجامع
المرفوع في الصحيحين وغيرهما . قال : ولم يصرّح أبو هريرة بسماع هذا من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيحتمل أنّه سمعه من كعب الأحبار ، إذ ثبت أنّه روي عنه . قال السيّد : وهذا مدرك عدم اعتماد الأستاذ رحمه اللّه على مثل هذا من الإسرائيليّات وإن صحّ سنده « 1 » . وفسّر أبو مسلم التبديل هنا بمجرّد المخالفة وترك ما أمروا به ، لا أنّهم بدّلوه بقول آخر . قال : قوله تعالى : فَبَدَّلَ يدلّ على أنّهم لم يفعلوا ما أمروا به ، لا على أنّهم أتوا له ببدل . . قال : والدليل عليه ، أنّ تبديل القول قد يستعمل في المخالفة [ محضا ] ، كما في قوله تعالى : سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ . . . « 2 » ، ولم يكن تبديلهم إلّا الخلاف في الفعل لا في القول ، فكذا هنا فيكون المعنى : أنّهم لمّا أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر اللّه « 3 » . وهذا القول رجّحه المراغي والقاسمي وغيرهما من مفسّرين معاصرين « 4 » . لكن هذا ينافي ظاهر قوله تعالى : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ « 5 » . * * * وقال ابن عاشور : وكان المخاطبون العرب واليهود يعلمون تفاصيل القصّة ، ومن ثمّ جاءت الآية مختصرا فيها الكلام ، الأمر الذي جعل المفسّرين حيارى فسلكوا طرائق لانتزاع تفصيل المعنى ، ولم يأتوا بشيء مقنع ، وفيها بعض التضارب والمخالفات . قال : والذي عندي أنّ الآية أشارت إلى قصّة معروفة تضمّنتها كتبهم « 6 » وهي أنّ بني إسرائيل لمّا طوّحت بهم الرحلة إلى برّيّة « فاران » « 7 » نزلوا بمدينة « قادش » « 8 » فأصبحوا على حدود أرض
--> ( 1 ) تفسير المنار 9 : 373 . ( 2 ) الفتح 48 : 15 . ( 3 ) التفسير الكبير 3 : 91 . وتفسير أبي مسلم - إخراج الغياثي - : 94 . ( 4 ) راجع : تفسير المراغي 1 : 124 . والقاسمي 1 : 296 . ( 5 ) البقرة 2 : 59 . والأعراف 7 : 162 . ( 6 ) راجع : سفر الخروج : 16 . وسفر التثنية : 1 - 2 . وسفر الأعداد : 13 - 14 . ( 7 ) برّيّة فاران : صحراء وسيعة واقعة في سفح جبل بهذا الاسم ، بمعنى : ذات مغارات ، كانت متاه بني إسرائيل ، بين وادي سيناء جنوبا ، وأرض كنعان شمالا ، وخليج العقبة شرقا ، وصحراء الشام غربا . ( 8 ) قاديشا ، يعني الوادي المقدّس ، واد في لبنان الشمالي . دعي كذلك لكثرة النسّاك والرهبان الّذين أقاموا فيه منصرفين إلى العبادة في مغارة . كان ملجأ للموارنة في أيّام الشدّة .