الشيخ محمد هادي معرفة

171

التفسير الأثرى الجامع

كنعان ( الأرض الموعودة ) وذلك أثناء السنة الثانية بعد خروجهم من مصر . فأرسل موسى اثني عشر رجلا يتجسّسون أرض كنعان ، من كلّ سبط رجل ، وفيهم يوشع بن نون وكالب بن يفنّة ، فصعدوا وأتوا إلى مدينة « حبرون » « 1 » فوجدوا الأرض ذات خيرات ، فأخذوا من عنبها ورمّانها وتينها ورجعوا بعد أن قضوا أربعين يوما وأخبروا القوم وأروهم ثمر الأرض ، وقالوا : إنّها - حقّا - تفيض لبنا وعسلا . غير أنّ أهلها ذوو عزّة ، ومدنها حصينة جدّا . فأوعز موسى إلى كالب ويوشع بأنّهم سوف يصعدون إلى المدينة ويمتلكونها ، غير أنّ العشرة الباقين أشاعوا في بني إسرائيل مذمّة الأرض وأنّ فيها جبابرة ، فخافت بنو إسرائيل وجبنوا عن القتال . فقام يوشع وكالب وقالا : لا تخافوا فإنّهم سوف يذلّهم اللّه على أيدينا ، فلم يكترث القوم بقولهما وتجابنوا . فأوحى اللّه إلى موسى أنّ قومه قد أساءوا الظنّ بربّهم ، فعاقبهم بالحرمان من دخول الأرض المقدّسة أربعين سنة يتيهون في الأرض . قال ابن عاشور : هذه القصّة كما وردت في العهد القديم تنطبق بعض الانطباق مع الآية الكريمة : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ . قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ . قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ . قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ « 2 » . قال : قوله تعالى : ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ الظاهر أنّه أراد بها « حبرون » « 3 » التي كانت قريبة منهم والتي ذهب إليها جواسيسهم وأتوا بأخبارها وثمارها .

--> ( 1 ) سيأتي الكلام عنها . ( 2 ) المائدة 5 : 21 - 26 . ( 3 ) حبرون : هي مدينة الخليل ، من أقدم مدن العالم . معروفة بزراعة العنب والتين وصناعة الزجاج . كانت مسكن إبراهيم الخليل وفيها مقبرته . مبنيّة على هضبة على مسافة 20 ميلا من جنوبي أورشليم و 100 ميل من بلدة ناصرة . بناؤها من حجر الكلس وكانت لها أبواب وأسوار . وكانت بعد فتحها عاصمة الحكم الإسرائيلي ، حتّى اتّخذ داود أورشليم عاصمة البلاد .