الشيخ محمد هادي معرفة
90
تلخيص التمهيد
نعتقد أنّهم واجهوا أولئك الذين قصروا وجه الإعجاز في جانب لفظ القرآن وحروفه وجَودة سبكه وأسلوبه ، وهو جانب جدّ خطير ، يعلو به شأن الكلام ويرتفع قدره ، إلّاأنّه ليس بمثابة بحيث يخرجه عن حدّ المعتاد غير الممكن على فصحاء الكلام وبلغاء البيان ، ففي كلام العرب وغيرهم من أُمم ذات لغة راقية مقطعات رائعة ، من بديع النظم ورفيع النثر ممّا يبهر ويعجب ! ونرافقهم في هذا الشأن ، غير أنّ جهة الإعجاز البياني للقرآن - على ما سنذكر - لا تنحصر في جَودة سبكه ورَوعة نظمه ، والوفير من بدائع المحسّنات اللفظية . إنّ هذا كله إنّما هو جزء سبب لرَوعة القرآن الباهرة ، وإنّ وراءه سبباً آخر أقوى هو كامن وراء هذا القالب الجميل ، هي : خلّابة رُوحه ، ونسمة رَوحه ، فخامة معنى في أناقة تعبير ، وهما مجتمعين وليدان توأمين ، الأمر الذي يعزّ وجوده ، بل ينعدم في كلام غيره ، ولا سيّما مع هذا الإطناب في الكلام والتنوّع في المرام ، ميزة خُصّ بها القرآن الكريم . وبعد ، فإليك بعض النقاش مع دلائل القوم في ظاهر المقال : 1 - ليس في كلام العرب ما يضاهي القرآن فإذا كانت رَوعة القرآن منبثقةً من تلاحم في جمال لفظه مع جلال معناه ، ومن بديع صورته مع كبرياء محتواه ، فأين يا ترى يوجد له مثيل في مثل هذه الرفعة وذلك الشموخ ؟ ! نعم ، سوى شؤون كانت مبتذلة ، ومعانٍ كانت هابطة وساقطة إلى حدّ بعيد كانوا يتداولونها . ولَمُقارَنَةٌ عبرى بين آيات من الذكر الحكيم وأروع مقطعات العرب لَتكفي شاهداً على ذلك البَون الشاسع ! جاء القرآن بسبكٍ غريبٍ على العرب ، وعجيب على الناس أجمعين ، لا هو شعر ولا هو نثر كنثرهم ، نثر في خاصيّة الشعر ، لا هدر سجع ، ولا هذر كهانة ، حلوٌ رشيق ، وخلوبٌ رفيع . إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّه لمثمرٌ أعلاه ، مغدقٌ أسفله ، إنّه يعلو وما يُعلى .