الشيخ محمد هادي معرفة
91
تلخيص التمهيد
وإنّه لَيُحطّم ما تحته ! كلام قاله عظيم العرب وخلاصتها الفذّ الفريد الوليد « 1 » . كانوا كلّما حاولوا مضاهاته افتضح بهم الأمر وفشلوا في نهاية المطاف ، وهكذا على مرّ العصور ، الأمر الذي سجّل على محياه الكريم : أنّه لم يسبق له نظير ، ولا يخلفه أبداً بديل ! فإن كان النظّام وأصحابه إنّما أرادوا المضاهاة في مجموع هذه الجوانب والمزايا اللفظية والمعنوية فنحن نطالبهم أن يأتوا بشاهد من كلام العرب أو غيرهم من باب المثال ، ولكنّهم أعجز من أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا له . وإن أرادوا المباهاة ببدائع بعض روائع الكلام فهذا شيء لا ننكره ، ولكنّه ليس كلّ شأن الإعجاز ، ولا وقع التحدّي بمثله . وقوله تعالى : « وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ » « 2 » . قولة قالها النضر بن الحارث بن كلدة ، كان من زعماء قريش ومن شياطينهم الأفّاكين ، صاحب ثروة ونفوذ كلمة . كان يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم ، فلمّا قدم مكّة سمع كلام النّبيّ صلى الله عليه وآله والقرآن ، فزعم أنّه من قبيل ذاك ، فحسب من نفسه القدرة على
--> ( 1 ) . نعم ، نسب إلى الجعد بن درهم ( مؤدّب مروان بن محمّد الملقّب بالحمار ، آخر خلفاء بني اميّة ) القول بأنّ فصاحة القرآن غير معجزة ، وأنّ الناس يقدرون على مثلها ، وعلى أحسن منها . قيل : هو أوّل من صرّح بذلك ، وتجرّأ عليه . قال الأُستاذ الرافعي : ولم يقل بذلك أحد قبله . ( الإعجاز : ص 144 ) . وله مقالات أُخرى أيضاً أنكروها عليه ، فآل أمره إلى القتل صبراً ، ذبحه - كما يُذبح الكبش - خالد القسري أمير العراق من قِبَل هشام بن عبد الملك بأمره . ذكر ذلك ابن الأثير في حوادث ( سنة 125 ه ) : ج 5 ص 263 . وراجع ص 429 منه أيضاً . وقد جعل الأُستاذ عرفة ذلك دليلًا عن قوله بالصرفة ، فهو أوّل من ذهب هذا المذهب . وهو وهْمٌ ، لأنّه - على فرض صحّة النسبة - إنّما حاول بذلك إنكار أصل الإعجاز ، كما وَهَمَ في عليّ بن عيسى الرمّاني أيضاً قوله بالصرفة ، في حين أنّه جعله أحد الوجوه للإعجاز . ( راجع : النكت في الإعجاز : ص 110 ، قضية الإعجاز القرآني : ص 148 - 149 ) . ( 2 ) . الأنفال : 31 .