الشيخ محمد هادي معرفة

86

تلخيص التمهيد

وأنّهم لوعارضوه بشعر منظوم لم يكونوا فاعلين ما دعوا إليه . وأن يدلّ على اختصاص القرآن بطريقةٍ في النظم مخالفة لنظوم كلّ كلامهم ، وعلى أنّ القوم لو لم يُصرفوا لعارضوا . والذي يدلّ على الأوّل أنّه صلى الله عليه وآله أطلق التحدّي وأرسله ، فيجب أن يكون إنّما أطلق تعويلًا على عادة القوم في تحدّي بعضهم بعضاً ، فإنّها جرت باعتبار الفصاحة وطريقة النظم . ولهذا ما كان يتحدّى الخطيبُ الشاعرَ ، ولا الشاعرُ الخطيبَ ، وأنّهم ما كانوا يرتضون في معارضة الشعر بمثله إلّابالمساواة في عروضه وقافيته وحركة قافيته . ولو شكّ القوم في مراده بالتحدّي لاستفهموه ، وما رأيناهم فعلوا ، لأنّهم فهموا أنّه صلى الله عليه وآله جرى فيه على عاداتهم . وممّا يبيّن أنّ التحدّي وقع بالنظم - مضافاً إلى الفصاحة - أنّا قد بيّنا مقارنة كثير من القرآن لأفصح كلام العرب في الفصاحة . ولهذا خفي الفرق علينا من ذلك ، وإن كان غير خافٍ علينا الفرق فيما ليس بينهما هذا التفاوت الشديد . فلولا أنّ النظم معتبر لعارضوا بفصيح شعرهم وبليغ كلامهم . فأمّا الذي يدلّ على أنّهم لولا الصرف لعارضوا أنّا قد بيّنا في فصاحة كلامهم ما فيه كفاية ، والنظم لايصحّ فيه التزايد والتفاضل ، ولهذا يشترك الشاعران في نظم واحد لا يزيد أحدهما فيه على صاحبه وإن زادت فصاحته على فصاحة صاحبه . وإذا لم يدخل في النظم تفاضل فلم يبق إلّاأن يكون الفضل في السبق إليه . وهذا يقتضي أن يكون السابق ابتداءً إلى نظم الشعر قد أتى بمعجز ، وأن يكون كلّ من سبق إلى عروض من أعاريضه ووزن من أوزانه كذلك . . . ومعلوم خلافه . وليس يجوز أن يتعذّر نظم مخصوص بمجرى العادة على من يتمكّن من نظوم غيره ، ولا يحتاج في ذلك إلى زيادة علوم ، كما قلنا في الفصاحة . ولهذا كان كلّ من يقدر من الشعراء على أن يقول في الوزن الذي هو الطويل قدر على البسيط وغيره ولو لم يكن إلّا على الاحتذاء وإن خلا كلامه من فصاحة .