الشيخ محمد هادي معرفة

62

تلخيص التمهيد

انظر حيث شئت من القرآن الكريم تجد بياناً قد قدّر على حاجة النفس أحسن تقدير ، فلا تحسّ فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير ، يؤدّي لك من كلّ معنى صورة نقيّة وافية ، نقيّة لا يشوبها شيء ممّا هو غريب عنها ، وافية لا يشذّ عنها شيء من عناصرها الأصلية ولواحقها الكمالية . كلّ ذلك في أوجز لفظ وأنقاه . ففي كلّ جملة منه جهاز من أجهزة المعنى ، وفي كلّ كلمة منه عضو من أعضائه ، وفي كلّ حرف منه جزء بقدره ، وفي أوضاع كلماته من جمله ، وأوضاع جمله من آياته سرّ الحياة الذي ينتظم المعنى بأداته . وبالجملة ترى - كما يقول الباقلّاني - محاسن متوالية وبدائع تترى . هو كما وصفه تعالى « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » « 1 » . وميزة أخرى تفوق بالقرآن الكريم على سائر الكلام : إنّه خطاب مع العامّة كما هو خطاب مع الخاصّة ، وهاتان غايتان متباعدتان عند الناس . إنّك لو خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بالكلام إلى مستوىً لا يرضونه . ولو أنّك خاطبت العامّة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الخاصّة للجأتهم إلى ما لا تطيقه عقولهم . فلا غنى لك - إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حقّها كاملًا من بيانك - أن تخاطب كلّ واحدة منهما بغير ما تخاطب الأُخرى ، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال . . . فأمّا أنّ جملة واحدة وتعبيراً واحداً تلقي إلى العلماء والجهلاء ، وإلى الأذكياء والأغبياء ، وإلى السوقة والأُدباء ، فيراها كلّ منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته ، فذلك ما لا تجده - على أتمّه - إلّافي القرآن الكريم ، فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير ، ويراه العامّة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم ، ولا يحتاجون منه إلى ترجمان وراء وضع اللغة ، فهو متعة العامّة والخاصّة على السواء ، ميسّر لكلّ من أراد « وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ » « 2 » « 3 » .

--> ( 1 ) . هود : 1 . ( 2 ) . القمر : 17 . ( 3 ) . النبأ العظيم ( نظرات جديدة في القرآن ) : ص 95 - 106 .